القطب الشمالي: ذاب الجليد.. فاشتعل التنافس!

لمن لا يزال يعتقد أن القطب الشمالي هو مسقط رأس «سانتا كلاوس»، أو بلاد الألعاب الزاهية التي ينتظرها الأطفال في عيد الميلاد، نقول إن هذه المنطقة في العالم أبعد ما تكون عن هذه الإيجابية.

الصورة في القطب الشمالي أكثر تعقيداً وأكثر سلبية مما قد يتخيله البعض، ففي هذه المنطقة من الكرة الأرضية أزمة بيئية كبيرة، تضاف إليها بوادر حرب دولية من نوع آخر، قد يصعب حلّها أو وضع حد لها.

لماذا الجرأة في الحديث عن حرب حول القطب الشمالي؟

إعلان

لأن النزاع الحالي حول هذه المنطقة الغنية بالثروات الطبيعية قد لا ينتهي على عتبات المحاكم الدولية، فثمة دول خمس تطل جغرافياً وقانونياً على القطب الشمالي، الذي لم يكن ذا جاذبية كبيرة في الواقع منذ عقود مضت، لكنه أصبح اليوم منطقة مثيرة للاهتمام، بعدما فتك بها الاستعار الحراري كاشفاً عن مخزونات كبيرة من الغاز والنفط والأسماك في أعماقها.

في المحيط المتجمد الشمالي يستمر ذوبان الجليد وزحف المياه نحو اليابسة، ما قد يكون بالفعل بداية لتغيير خرائط النفوذ بين دول القطب الشمالي، أي كندا، والدنمارك (جزيرة غرينلاند)، والولايات المتحدة، والنروج، وروسيا.

هذه الدول الخمس ستدخل قريباً ميدان معركة حامية الوطيس في إطار السعي وراء الأراضي والموارد الطبيعية في القطب الشمالي، وهي معركة تتسع إلى حدود أبعد بكثير.

«غرينبيس»!

ويتخذ السباق حول القطب الشمالي أوجهاً وأشكالاً مختلفة، كان آخرها، بحسب بعض الخبراء والمحللين الروس، تحرك ناشطي «غرينبيس» باتجاه منصة روسية لاستخراج النفط في الثامن عشر من أيلول الماضي.

وكان هدف الناشطين البيئيين من هذا التحرّك، الاحتجاج على استخراج روسيا للنفط قبالة ساحل الشمال الروسي، وقد جسدوا هذا الاحتجاج بالصعود على منصة استخراج النفط، ما دفع بحرس الحدود إلى توقيفهم.

لم تتوقف المسألة عند هذا الحد، إذ لجأت هولندا، التي رُفع علمها على سفينة «غرينبيس» التي أقلت الناشطين إلى بحر بيتشورسكي في القطب الشمالي، إلى المحكمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة، لتتقدم بدعوى ضد روسيا.

وبالرغم من كل هذه التطورات، لا تزال روسيا، شعباً وقيادة، تعتقد أن خطوة ناشطي هذه المنظمة البيئية هي جزء من مخطط دولي كبير لإبعاد روسيا عن المحيط المتجمد الشمالي.

وفي هذا الصدد، يقول قسطنطين سيمونوف، رئيس كلية العلوم السياسية التطبيقية في جامعة الدراسات المالية التابعة للحكومة الروسية، إنه «لا يخفى على أحد أن المنظمات البيئية الرئيسية عادة ما تكون أجيرة لدى بعض الشركات لمحاربة منافسيها، ولأكثر من مرة تم الكشف عن مشاركة غرينبيس تحديداً في نشاطات عدة في مقابل مبالغ من المال».

ويضيف سيمونوف «أعتقد أن شركة نفطية ما اشترت نشاط غرينبيس لضرب شركة نفطية أخرى».

ويتابع «في ما يتعلق بروسيا، أعتقد أن عنصر المستفز المأجور موجود، فحملة غرينبيس ضد روسيا تبدو حملة علاقات عامة، تحاول من خلالها المنظمة لفت الانتباه»، لافتاً إلى أنّ «روسيا ناشطة في القطب الشمالي، وبالتالي فإن نشاطها يعد سبباً واضحاً للاستهداف عبر هذه الحملة الإعلامية».

علاوة على ذلك، فإن تحرّك «غرينبيس» الاحتجاجي جاء في توقيت بالغ الحساسية، إذ من المتوقع أن تدقق المحافل الدولية بطلب روسيا امتلاك الرصيف القاري في المحيط المتجمد الشمالي في نهاية العام 2013 وبداية العام 2014.

«أرض روسيا الأم»

وتطالب روسيا بضم مقطع من المحيط تزيد مساحته عن 1.2 مليون كليومتر مربع، في حين يمكنها أن تضم قانونياً مساحة تقارب 10 في المئة من مساحتها الحالية، وحوضاً نفطياً غازياً ضخماً، يقدر احتياطه بحدود 130 مليار طن من النفط.

والحق يقال إن نشاط روسيا في هذه المنطقة الشمالية الثرية بدأ يلفت أنظار المجتمع الدولي بشكل عام، وبالتحديد الدول المعنية بالسباق على ثروات المتجمد الشمالي.

وتجسدت رغبة روسيا بالحفاظ بأي ثمن كان على «حقوقها» في القطب الشمالي في عملية عسكرية أجرتها مؤخراً في هذه المنطقة، وتناولها الإعلام الروسي بشكل واسع النطاق.

وشاركت في هذه العملية مجموعة من عشر سفن حربية وكاسحات ثلج ذرية، وقد برز في هذا الوفد البحري، الطراد الصاروخي الثقيل «بطرس الأكبر»، ما أضاف إلى المشهد العسكري مزيداً من الإثارة.

وكانت كلمات نائب وزير الدفاع الروسي السابق أركادي باخين معبّرة جداً: «لقد وصلنا إلى هناك، بل بالأحرى عدنا إلى هناك، لأن هذه الأرض هي أرض روسيا الأم».

وأضاف الجنرال باخين إن حملة الأسطول الشمالي جزء من مشروع كبير لتنمية وتحسين طريق الشمال البحري ومناطق القطب الشمالي التابعة له.

ومنذ فترة قصيرة جداً، قال سيرغي ميفيديف، المدرّس والباحث في جامعة الاقتصاد الروسية، إن موسكو «تتعامل مع منطقة القطب الشمالي بطريقة غير مسؤولة، وبالتالي يجدر سحب المنطقة من هيمنتها ووضعها تحت رقابة دولية».

على هذا التعليق، سارع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الرد قائلا: «ما ورد حول سحب حقوق روسيا من المتجمد الشمالي غباء تام».

منافسة دولية

اقتضت العادة في السابق حصر دول القطب الشمالي بروسيا، والولايات المتحدة، والنروج، وكندا والدنمارك (غرينلاند)، ذلك أن هذه الدول أقرت اتفاقاً متبادلاً حول تحديد حدود كل بلد في القطب الشمالي، وقد تشكلت تلك الحدود من النقاط المتطرفة من خطوط الطول من الحدود الشمالية لهذه الدول.

لكن الحقوق في القطب الشمالي والنزاعات المتعلقة بها لم تعد تقتصر على الدول الخمس بل انضمت إليها 12 دولة تدّعي هي الأخرى بحقوق في المحيط المتجمد الشمالي، وتتوجه نحو تطوير نشاطها لتعزيز إستراتيجيات تعمق المصالح الوطنية في المنطقة.

وبالإضافة إلى الدول الخمس تتسابق في القطب الشمالي كل من بلجيكا، وبريطانيا، وألمانيا، وأيسلندا، وأيرلندا، ولاتفيا، وليتوانيا، وهولندا، وبولندا، وفنلندا، والسويد، وأستونيا. حتى أن بعض الخبراء يذهبون للقول إن المرشحين لهذا السباق أكثر من عشرين دولة، بما في ذلك اليابان والصين. وبالفعل، فإن الصين تملك قاعدة أرضية في سفالبارد وهي تخطط لإرسال ثلاث بعثات إلى القطب الشمالي خلال العامين المقبلين.

في إطار هذا الصراع المتعدد الأطراف، يرى البروفيسور في جامعة العلاقات الدولية الروسية دميتري لابين، أن الدعوى الهولندية ضد روسيا في المحكمة البحرية الدولية، قد تؤثر سلباً على نفوذ روسيا في القطب الشمالي.

وقال لابين إن «منطقة القطب الشمالي ذات طابع خاص جداً، فإلى جانب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ثمة نهج تعتمده دول القطب الشمالي وينص على مبدأ تقسيم القطاع».

وفقا للابين، فإن «التناقض برز بعد إدخال الاتفاقية حيز التنفيذ في العام 1982، فروسيا لا تزال تناور وتجادل بأن القطب الشمالي يعود لها منذ عدة قرون، وأنها أنفقت الكثير من الجهد والطاقة والمال على هذه المنطقة»، مضيفاً «حتى الآن، يسري الاعتقاد بأن السيادة تاريخياً تمتد ليس فقط إلى البحر الإقليمي، ولكن إلى أبعد من ذلك… إلى القطب».

وفي هذا الإطار، يقول الباحث يغور خولموغوروف إن القطب الشمالي يجب أن يبقى تحت إدارة الكرملين.

ويوضح خولموغوروف موقفه بالقول: «أعجبنا الأمر أم لا، فإن رفاهية المواطن الروسي تتعلق بشكل مباشر حتى الساعة بالغاز والنفط، ولا بد من عقود وعقود للتخلص من هذه التبعية».

حتى هذا الوقت، ولرفاهية شعبها ربما، أو نظراً إلى ارتفاع سعر الوقود في العالم، لا فرق، لن ترفع روسيا اليد التي وضعتها على المحيط المتجمد الشمالي.

ألم يكف العالم ليفهم أن روسيا هي موطن أفراد بعثة «أركتيك 2007» الذين رفعوا العلم الروسي في منطقة نزاع دولي، وبالتالي ترفع تحدياً بكل قناعة الفوز به؟

+ -
.