المرحلة الإعداديّة… هل هي فترة ضياع أم رحلة بحث عن الذّات؟

بقلم المربية منى أبو جبل

إعلان

إعلان

إعلان

إعلان

إعلان

إعلان

إعلان

إعلان

إعلان

إعلان

مع بداية عامّ دراسيّ جديد، طالب المرحلة الإعداديّة لا يدخل إلى المدرسة حاملًا حقيبته وكتبه فقط، بل يدخل وهو يحمل في داخله الكثير من الأسئلة والتّغيّرات والمشاعر التي قد لا يعرف كيف يعبّر عنها.
من أنا؟ ماذا أريد؟ لماذا تغيّرت؟ لماذا لم أعد أفكّر كما كنت؟ أين مكاني بين الآخرين؟ وهل أنا مقبول كما أنا؟
مرحلة المراهقة هي ليست مجرّد انتقال في العمر، بل هي مرحلة انتقال في الفكر، والمشاعر، والهويّة، والعلاقات، ونظرة الطّالب إلى نفسه وإلى العالم من حوله.
وهنا نسمع أحيانًا عبارة:
ابني ضائع…..
أو الطّالب لا يعرف ماذا يريد.
لكن هل هو فعلًا ضائع؟
ربّما الأدق أن نقول إنّه يبحث عن اتّجاهه.
فالطّالب في هذه المرحلة يقف بين عالمين؛ لم يعد ذلك الطّفل الذي يقبل كلّ ما يُقال له، وفي الوقت نفسه لم يصل بعد إلى النّضج الذي يمكّنه من فهم كلّ ما يحدث داخله واتّخاذ قراراته بثبات.
لذلك قد نُلاحظ عليه التّردّد، أو التّقلّب في المزاج، أو الحساسيّة تجاه النّقد، أو الاهتمام الكبير برأي الأصدقاء، أو الرّغبة في الاستقلال، أو انخفاض الدّافعية أحيانًا، أو تحدّي القوانين والحدود.
هذه السّلوكيات لا تعني بالضّرورة أنّ الطّالب ضاع، بل قد تكون إشارات إلى سؤال داخلي أكبر:
من أكون؟ وأيّ شخص أريد أن أصبح؟
وهنا يأتي دورنا نحن الكبار.
المراهق لا يحتاج فقط إلى من يقول له: ادرس، التزم، لا تخطئ.
بل يحتاج أيضًا إلى من يساعده على أن يفهم نفسه، ويسمّي مشاعره، ويكتشف نقاط قوّته، ويتعلّم من أخطائه، ويضع أهدافًا واقعيّة، ويتحمّل مسؤولية اختياراته.
يحتاج إلى حدود واضحة، ولكن مع احتواء.
إلى توجيه، ولكن دون إلغاء شخصيّته.
إلى مساحة للتّجربة، ولكن مع وجود بالغ يشعر معه بالآمان. وإلى من يرى ما وراء السّلوك، لا السّلوك وحده.
لهذا أرى أنّ المرحلة الإعداديّة ليست فقط مرحلة تحصيل علامات، بل مرحلة مهمة جدًا في بناء الإنسان.
قبل أن نسأل الطّالب: كم حصلت في الامتحان؟
علينا أحيانًا أن نسأله:
كيف ترى نفسك؟
ما الذي يشغلك؟
ما الذي تحتاجه؟
ما الذي تريد تغيّيره؟
ما هدفك؟
وما الخطوة الصّغيرة التي تستطيع أن تبدأ بها اليوم؟
فقد لا تكون “فترة الضياع ضياعًا بالمعنى الحقيقيّ، بل مساحة بين هويّة قديمة تتغيّر وهويّة جديدة ما زالت تتشكّل.
وكلّما وجد الطّالب في هذه المساحة أهلًا ومعلمين يؤمنون به، يصغون إليه، يضعون له حدودًا صحيّة، ويمنحونه الأدوات لفهم ذاته واتّخاذ قراراته، تحوّلت الحَيرة إلى وعيّ، والتّردّد إلى اختيار، والتّجربة إلى تعلّم.
ومع بداية السّنة الدّراسيّة الجديدة، لنجعل سؤالنا مختلفًا:
ليس فقط: ماذا نُريد من طلّابنا أن يحققوا هذا العام؟
بل: أيّ إنسان نُريد أن نساعدهم على أن يصبحوا؟
لأنّ طالب المرحلة الإعداديّة لا يحتاج إلى من يضع له الطّريق كاملًا…
بل إلى من يساعده على اكتشاف بوصلته الدّاخليّة، حتى يتعلّم كيف يختار طريقه بنفسه.

منى أبو جبل

تعليقات

  1. نحن لا نحتاج إلى مدرسة إعدادية تملأ رأس الطالب بالمعلومات فقط نحتاج إلى مدرسة تبني الإنسان الذي يحمل هذه المعلومات, نحتاج إلى معلمين يفهمون أن المراهق ليس مشكلة يجب السيطرة عليها، بل مشروع إنسان يجب مساعدته على التشكّل.
    نحتاج إلى إدارة تملك الشجاعة لكي تقول هذا الشخص مناسب للعمل مع المراهقين، وهذا غير مناسب,هذا المعلم يحتاج إلى تدريب, وهذا الأسلوب يجب أن يتغير وهذه الممارسة لا يمكن أن تستمر.
    لأن المدرسة التي تطلب من الطالب أن يراجع أخطاءه يجب أن تكون هي أيضًا قادرة على مراجعة أخطائها والمدرسة التي تريد أن تعلم أبناءنا المسؤولية، يجب أن تتحمل أولًا مسؤوليتها تجاههم.
    فالمرحلة الإعدادية ليست مرحلة يمكن أن نسمح فيها بالتجارب والمجاملات والتعيينات غير المدروسة, إنها المرحلة التي يقف فيها الطالب بين طفولته ومستقبله وما نزرعه فيه خلالها، قد يحمله معه بقية حياته.
    حين يتعلق الأمر بطلاب في هذه السن، يجب أن تنتهي ثقافة المجاملة والمعيار يجب أن يكون الكفاءة وليس القرب ولا العلاقات ولا سدّ الشاغر بأي اسم متاح.
    كل شخص يوضع أمام طلاب المرحلة الإعدادية يجب أن يكون جديرًا بهذا الموقع وإذا ثبت أن شخصًا لا يناسب هذه الفئة العمرية، فلا يجوز أن تتحول سنوات الطلاب إلى ثمن تدفعه المؤسسة لأنها لا تريد اتخاذ قرار مهني صعب فالمؤسسة التربوية التي تخشى تقييم موظفيها بجدية، ستجعل طلابها يدفعون الثمن والمشكلة أن الموظف قد يغادر بعد سنوات، أما الأثر الذي زرعه في الطالب فقد يبقى طويلًا.
    لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نعبر بالطالب سنوات المرحلة الإعدادية؟
    بل: كيف نصنع خلال هذه السنوات إنسانًا مستعدًا لما بعدها؟
    فاسمها لم يكن يومًا مجرد تسمية ,إنها مرحلة الإعداد.
    وإذا فشلنا في الإعداد فلا يحق لنا أن نتفاجأ لاحقًا من النتائج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

+ -
.