
رغم التحديات التي تواجه زراعة التفاح في السنوات الأخيرة، تشير مجموعة من المعطيات إلى أن مستقبل هذه الزراعة في شمال الجولان قد يكون واعدًا، وربما تصبح المنطقة أكثر أهمية في إنتاج التفاح خلال السنوات المقبلة، في ظل التغيرات المناخية وتراجع القدرة على زراعة التفاح في مناطق أخرى.
أحد العوامل التي قد تدعم هذا التوجه هو تضرر مساحات واسعة من بساتين التفاح في منطقة الجليل خلال الحرب الأخيرة، بعد إهمالها لفترة طويلة. وإعادة تأهيل هذه البساتين والعودة إلى مستويات الإنتاج السابقة ستحتاج إلى سنوات، حتى في حال قرر المزارعون العودة إلى زراعة التفاح.
لكن المعطيات تشير إلى أن نسبة من هؤلاء المزارعين تتجه نحو زراعات أخرى، وفي مقدمتها زراعة العنب، ما قد يؤدي إلى تراجع إضافي في إنتاج التفاح في الجليل خلال السنوات القادمة.
إلا أن العامل الأهم الذي يعزز أهمية شمال الجولان يتمثل في التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة.
فقد تناولت دراسة جديدة أوضاع زراعة التفاح في 13 دولة من أبرز الدول المنتجة للتفاح في العالم، من بينها الصين والولايات المتحدة وتركيا والهند واليابان، على مدى نحو ستة عقود. ودرست العلاقة بين التغيرات في الظروف الجوية والتغيرات في حجم إنتاج التفاح.
وأظهرت نتائج تحليل البيانات من مختلف الدول أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة كميات الأمطار ارتبطا بانخفاض إنتاج التفاح، في صورة تعكس مدى حساسية هذه الزراعة للتغيرات المناخية.
وتعتمد شجرة التفاح على الظروف الجوية لتحديد التوقيت المناسب للإزهار وبدء دورة نمو الثمار. وتحتاج الشجرة إلى تراكم عدد معين من ساعات البرودة خلال فصل الشتاء، وهو ما يساعدها على تجنب الإزهار المبكر خلال فترات الدفء المؤقتة في منتصف الشتاء.
وفي حال بدأت الشجرة بالإزهار خلال فترة دافئة ثم عادت درجات الحرارة إلى الانخفاض، قد تتعرض الأزهار للتلف، ما ينعكس سلبًا على المحصول. لذلك، فإن توفر ساعات البرودة المطلوبة يشكل عنصرًا أساسيًا في نجاح زراعة التفاح.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، قد يتعرض هذا النظام الطبيعي للاضطراب، خصوصًا في المناطق المنخفضة والأكثر دفئًا.
ففي إسرائيل، كانت زراعة التفاح تتم في الماضي أيضًا في منطقة سهل الحولة، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة جعل الظروف أقل ملاءمة لهذه الزراعة، فيما تتركز زراعة التفاح اليوم بصورة أساسية في الجليل الأعلى ومرتفعات الجولان، في المناطق التي يزيد ارتفاعها عن نحو 600 متر.
ولا يقتصر تأثير التغير المناخي على فصل الشتاء. فارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف يمثل تحديًا إضافيًا لأشجار التفاح، خاصة عندما تتزامن موجات الحر الطويلة مع اقتراب موعد القطاف.
ومن هنا، يتوقع مختصون أن تصبح زراعة التفاح في السنوات القادمة أكثر ارتباطًا بالمناطق المرتفعة والباردة نسبيًا، وقد تنحصر في مناطق يزيد ارتفاعها عن 700 متر وأكثر، ما يجعل الجولان من المناطق القليلة التي قد تستمر فيها الظروف الملائمة لزراعة التفاح في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
إلى جانب العوامل المناخية، هناك عامل اقتصادي مهم يدعم استمرار زراعة التفاح محليًا. فالإنتاج المحلي من التفاح في إسرائيل يغطي نحو 50% فقط من إجمالي الاستهلاك، بينما تأتي الكمية المتبقية من الاستيراد.
وبالتالي، فإن أي تراجع في الإنتاج المحلي قد يزيد الاعتماد على التفاح المستورد، في حين أن الحفاظ على الإنتاج المحلي، وتحديدًا في المناطق التي تتمتع بظروف مناخية مناسبة، قد يفتح المجال أمام المزارعين للاستفادة من الطلب المستمر على المنتج المحلي. هذا ناهيك عن الطعم المميز الذي يتفوق به تفاح الجولان على التفاح المستورد، ويجعله مرغوباً أكثر، خاصة وأن أسعار التفاح المستورد أعلى بكثير.
وبذلك، ورغم التحديات التي واجهت قطاع زراعة التفاح حتى الآن، تشير مجمل المعطيات إلى أن مستقبلًا واعدًا قد ينتظر هذه الزراعة في شمال الجولان. ولعل بوادر هذا المستقبل بدأت تظهر بالفعل، مع الارتفاع الملحوظ في أسعار التفاح خلال السنوات الثلاث الأخيرة، الأمر الذي أسهم في تحسين العائد الاقتصادي للمزارعين بصورة ملموسة، بعد سنوات طويلة من المعاناة وتراجع الجدوى الاقتصادية لهذه الزراعة.































