جزر سيشيل… عالم آخر غرائبي وأليف

بلدان العالم جميلة، والسفر إليها والسياحة فيها متعة. لكن ثمة بلدان لا تشبه ما عداها بما لها من مزاج خاص، وجمال خاص، وشخصية. تغادرها فلا تغادرك، وتذكُرها، فترتسم ابتسامة على وجهك، وتفرح.

هكذا هي جزر سيشيل. عالم آخر.

جمالها في اختلافها… جمال غرائبي خام وطبيعي لم يُنتهك. أشجارها غير الأشجار، وحيواناتها غير الحيوانات: بذرة تزن بين 20 و30 كيلوغراماً، وببغاوات سود نادرة، وبلابل لا مثيل لها، وسلاحف عملاقة. شطآنها الأجمل والأكثر تصويراً في العالم، ورمالها بيضاء ناعمة كالدقيق. مياه محيطها متلألئة شفافة ومتموجة بين درجات الزرقة والإخضرار تطفو على شُعب مرجانية من كل نوع ولون، وتؤطرها صخور غرانيت نحتها الزمن. طقسها استوائي معتدل على مدار السنة، فإذا ما تلبدت سماؤها، جلّلت غيومها قمم التلال. شعبها ودود وطيب القلب متعدد الأعراق والأديان، وكل ما فيها يعزز ذلك الشعور بالسكينة والراحة والطمأنينة.

إعلان

إعلان

115 جزيرة تتخذ ركناً قصياً ومنعزلاً في المحيط الهندي، وهي من القدم بما يؤهلها لأن تكون شاهداً على البدايات، وفيها من أشكال الحياة النادرة ما يؤكد أنها ما زالت تنتمي الى حقبة ولّت. وهذا سرّها.

يُسميها أهلها «سيشيلز»، ويُسمّى أهلها «سيشيلوا».

«ماهه» أكبر جزرها، تليها «برالين» ثم «لاديغ». ويفاجأ كثيرون حين يعرفون أنها تقع في أفريقيا وليس في آسيا، وتحديداً جنوب الصومال على الساحل الشرقي لمدغشقر. وعلى أي حال، هي دهشة في محلها لأن سكانها المحليين هم، في معظمهم، آسيويون وثقافتهم آسيوية.

أما لغتهم المحلية، «الكريول»، فهي حالة وسطى بين جغرافيتهم وتاريخهم. هي لغة بسيطة أساسها اللغة الفرنسية مع مدخلات من مفردات أفريقية. كما يتكلمون رسمياً اللغتين الفرنسية والإنكليزية، وفي هذا ما يشي بتاريخ الجزر.

فقديماً، عرفها الرحالة العرب والفينيقيون، وذكروها في كتاباتهم، ومن بعدهم الفرنسيون والإنكليز. وفي العام 1970، نزل فيها الحاكم الفرنسي لجزيرة موريشوس ماهه دي لا بوردوناس وأطلق اسمه على أكبر جزرها، وكان عدد سكانها 170 نسمة. وبقيت مستعمرة لدى الفرنسيين حتى هزيمة نابليون في معركة واترلو، ليتم تسليمها الى الإنكليز في معاهدة باريس العام 1814، وكان عدد سكانها 3500 نسمة، معظمهم آسيويون قدموا إليها بعد إلغاء العبودية أواسط العام 1800 ليتمازجوا مع سكانها الأصليين. حصلت على استقلالها من بريطانيا العام 1976، لتصبح جمهورية سيشيل، وعضواً في الكومنولث.

 

أكبر الجزر يحتضن أصغر العواصم

غرائبية الجزر تظهر من الوهلة الأولى عندما تحط الطائرة في مطار «ماهه». تخيلوا طائرة تحط في مطار يقع على بعد أمتار معدودة عن مياه المحيط. هكذا هو مطارها.

«ماهه» جزيرة ليست بالكبيرة، مثل سكانها الذين لا يتجاوز عددهم 90 ألفاً. لكنها تحتضن العاصمة فيكتوريا، أصغر عاصمة في العالم، والتي تتوسطها ساعة هي نسخة مصغرة عن ساعة «بيغ بن» في لندن. شوارعها دائرية ضيقة محاطة بالأشجار العالية الكثيفة من الجانبين. ومن حسن الحظ، أو سوئه ربما بالنسبة إلى البعض، أن العاصمة تخلو من مراكز التسوق الضخمة (مولات)، كما أنها تخلو من مطاعم الوجبات السريعة. وللتسوق، ثمة عدد من الأكشاك لبيع الهدايا التذكارية من الجزيرة، مثل الصدف ومنتجات القش، إضافة الى سوق شعبية لبيع الخضار والأسماك والبهارات.

على أن الزوار لا يقصدون «ماهه» من أجل أسواقها بل للاستمتاع أو الاستجمام في واحد أو أكثر من 65 شاطئاً تتمتع بها الجزيرة، وهي شواطئ تمتاز بمياهها الزرقاء التي تختلف درجة زرقتها باختلاف ساعات النهار، وباختلاف نوع المرجان أو صخور الغرانيت فيها.

بعض من المتعة في هذه الجزر هو التنقل من شاطئ إلى آخر، ومن جزيرة إلى أخرى، وهذا متاح إما براً عبر المواصلات العامة والباصات في رحلة تستغرق 3 ساعات، أو بحراً عبر القوارب المائية في رحلة تستغرق 40-50 دقيقة، أو جواً عبر طائرات الهليكوبتر في رحلة لا تستغرق أكثر من 15 دقيقة، لكنها مكلفة بعض الشيء، ويجب حجزها مسبقاً.

 

«برالين» ومفخرتها «فاليه دي ميه»

المحطة الثانية هي جزيرة «برالين» التي تعد الجزيرة الثانية لجهة المساحة والأهمية. ومثلها مثل باقي الجزر، تتمتع «برالين» بشطآن رائعة ومياه زرقاء ورمال بيضاء ملساء، حتى أن «شاطئ آنز لازيو» يعد الأجمل في العالم.

مفخرتها هو المتنزه الوطني «فاليه دي ميه»، موطن شجرة «كوكو دي مير» الشهيرة التي لا مثيل لها في العالم أو حتى في باقي جزر سيشيل. بذرة هذه الشجرة هي الأكبر في العالم، وتزن بين 20 و30 كيلوغراماً، وكان يعتقد أنها تأتي من البحر، كما يوحي اسمها الفرنسي. لا تسمح الحكومة بخروج بذور هذه الشجرة من الجزيرة إلا بشروط، ويصدر عدد محدود منها الى دول آسيوية لصنع «أفروديزياك».

هذا المتنزه الأسطوري الذي كان يعتقد أنه «جنة عدن»، يشبه متحفاً للتاريخ الطبيعي، فهو عبارة عن غابة ساحرة تضم كنوزاً بيئية وثروة حيوانية وحرشية متنوعة ضاربة في القدم. تخيّلوا 6 أنواع نادرة من أشجار النخيل، و6 آلاف شجرة جوز هند معمرة تمتد جذوعها عالياً نحو السماء، وتعتبر من عجائب النباتات. هي أيضاً موطن الببغاء السوداء (بالمناسبة هي ليست سوداء) التي يصفر منقارها خلال موسم التكاثر والمهددة بالانقراض، وبلبل سيشيل والثعالب الطائرة والسلاحف العملاقة التي تزن الواحدة منها 304 كيلوغرامات. واعترافاً بأهمية المتنزه، أعلنته «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (يونيسكو) ضمن لائحة مواقع التراث العالمي، واعتبرته «نموذجاً استثنائياً لمرحلة سابقة لتطور النباتات في العالم». لذلك تشكل التغيرات والاضطرابات المناخية مصدر قلق دائم لدى حكومة سيشيل.

 

«عدن» جزيرة الفيلات ومرسى اليخوت

قريباً من هذه الجزيرة، تقع جزيرة عدن، وهي جزيرة الفيلات الفخمة ذات القرميد الأحمر، ومرسى اليخوت الفارهة. جميلة بطريقتها الخاصة، ومختلفة عن محيطها، لكن لسبب ما، لا تشكل نشازاً على المكان. وللعلم، فإن شراء فيللا في هذه الجزيرة يؤهل المشتري للحصول على جنسية الجزر.

 

«لاديغ» وشاطئها الأجمل

لا تكتمل الرحلة من دون زيارة جزيرة «لاديغ» الصغيرة التي يستغرق المشي من أولها الى آخرها ساعة زمن. أشهر ما فيها شاطئها «آنز سورس دارجون» الذي يقال إنه أكثر الشواطئ تصويراً في العالم لجماله، وهو كذلك وأكثر.

في هذه الجزيرة يستوقف الزائر منظر لافت… سلاحف عملاقة تمشي على جانبي الطريق العام الضيق، وهو طريق لا تدخله السيارات إلا نادراً، ويتم التنقل فيه بالدراجات أو المشي. تمشي السلاحف الهوينا، فيما بعض السياح يقترب منها يربت على عنقها أو يطعمها أوراق الشجر الخضر، فتتجاوب مع الدلال وتحرك عنقها بهدوء يمنة ويساراً.

وجود السلاحف بهذه الحرية في الشوارع يعطي إحساساً بالمكان وبسكانه وثقافته وأخلاقه، ويشي بعلاقة التآنس والتآلف بينهم وبين أرضهم وحيواناتهم. بدا ذلك جلياً في أكثر من حادثة، إذ تروي إحدى المسؤولات في «لي جاردان دي روا» (حديقة الملك أو حديقة البهارات) كيف اتصلت بها أمها للتو لتخبرها أن ببغاء وليدة من نوع الببغاوات السود المهددة بالانقراض، سقطت في فناء دارها بسبب الرياح، وطلبت منها أن تبلّغ السلطات المحلية على وجه السرعة لتأتي وتأخذها.

والحكومة تعي وطأة الحفاظ على ما تملكه من كنوز طبيعية، لذلك شرّعت قوانين كثيرة لحمايتها، منها اعتبار حوالى 60 في المئة من أرض الجزر «محميات طبيعية»، في حين تبقى الشواطئ «ملكية عامة»، ويُمنع الاتجار بالصدف والمرجان أو إخراجهما من الجزر إلا للتجار المرخصين. من جانبها، صنفت «يونيسكو»، موقعاً ثانياً في الجزر ضمن مواقع التراث العالمي هو جزيرة «الدابرا»، وهي أكبر تجمع مرجاني، إضافة الى متنزه «فاليه دي ميه».

وتدرك الحكومة أن ميزة هذه الجزر وجمالها في كونها مختلفة عن بقية العالم الذي جعلته العولمة متشابهاً. لذلك ستكون أمام تحدٍ كبير هو كيفية التوفيق بين الانفتاح وتحويلها إلى وجهة سياحية ناشطة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على هذه الجزر كما هي، وهو ما يجذب السياح إليها.

 

الوجهة الرومانسية للعرسان

كثير من السياح يحب الإجازة من أجل الإجازة، أي من أجل الاستجمام والراحة وربما قراءة الروايات. ولهؤلاء يمكن الاستجمام على أحد الشواطئ الجميلة، أو على متن قارب، أو حول البرك، أو التوجه إلى واحدة من منتجعات التدليك.

لكن ثمة الكثير من الأنشطة الترفيهية الأخرى، بعضها يوفره الفندق وأخرى توفرها شركات السياحة، مثل الجولات من جزيرة الى أخرى، والإبحار، والعشاء على الشاطئ، وتسلق المرتفعات، والغولف.

ولأن الجزر تعرف على نحو واسع بأنها الوجهة المفضلة لدى الكثير من العرسان لقضاء شهر العسل، فمن الطبيعي أن يتوافر الكثير من الأنشطة والخدمات الخاصة بهم، منها الوجبات الرومانسية على أضواء الشموع في «كبانا» (خيمة) تنصب عند شاطئ البحر في ساعات المغيب.

وطبعاً حيثما يوجد بحر، تنتشر الرياضات والأنشطة البحرية، مثل العوم أو الغطس لمشاهدة المرجان، وقوارب التجديف، والرحلات الليلية بالقوارب، أو التنقل من جزيرة إلى أخرى، أو الاستمتاع على متن قارب في تجربة للصيد البحري تُعلم الصبر، أو التوقف في أحد الشواطئ الكثيرة لشيّ بعض السمك المحلي.

إحدى الجولات البحرية الممتعة هي رحلة القارب ذي القاع الزجاجية لمشاهدة المرجان، وفي الوقت نفسه إطعام الأسماك ورؤيتها تتسابق لالتقاط فتات الخبز. هنا تكتشف أن للمرجان أكثر من شكل، كالفطر والخس والبطاطا، ويأتي بأكثر من لون، كالأحمر والأبيض والأزرق. كما تكتشف سر الرمال البيضاء الناعمة كالدقيق في هذه الجزر، وذلك يعود الى نوعية السمك الذي يأكل المرجان الميت ويطحنه.

يتوقف القارب في جزيرة «مويان» (أي الجزيرة المتوسطة الحجم بالفرنسية)، وهي جزيرة مثيرة للاهتمام، خصوصاً بوجود ذلك الكلب الذي يتحدث عنه الجميع وينادونه باسمه. قالوا إنه كلب الصحافي البريطاني براندون غريمشو الذي وقع في غرام سيشيل واشترى الجزيرة عام 1970 وأقام فيها مع حيواناته. وبعد وفاته، بقي كلبه الوفي يحوم في الجزيرة محبطاً مكتئباً.

 

المأكولات «الكريول»

أجواء الجزر والبحر والطبيعة تفتح الشهية، فماذا يأكل السياح؟

ليست هناك مطاعم للوجبات السريعة في الجزر، مثل «ماكدونالدز» أو «كنتاكي» أو «بيتزا هات» أو «بيتزا إكسبرس»، لكن الفنادق توفر المأكولات الغربية، كما المحلية، فتجد البيتزا والبيرغر والستيك والسباغيتي. أما الأكل المحلي، «الكريول»، فيتكون أساساً من الثمار البحرية، خصوصاً السمك، حتى أن السكان يتندرون أنهم يأكلون السمك على الإفطار كما على الغداء والعشاء. كما تنتج الجزر جوز الهند والمانغا والموز والبهارات، مثل الفانيلا والقرفة والكاري.

ويتنوع الطعام المحلي بما تنتجه الجزر من سلة غذاء، وأيضاً بتنوع القوميات والجنسيات التي تعيش على هذه الجزر، فإذا كان الهنود يشكّلون أعلى نسبة من سكانها، وكانت تنتج الكاري وتصطاد السمك، يصبح مفهوماً لماذا تنتشر أطباق الـ «كاري» بثمار البحر، تماماً مثل انتشار الأطباق التي تتضمن جوز الهند في الجزر بسبب الوفرة في انتاجه، وبتأثير من السكان من أصول صينية أو تايلندية.

ويبقى مكان أيضاً للمغامرين الذين يحبون تذوق الأطعمة الغريبة وغير الاعتيادية، فهؤلاء يمكنهم تجربة وجبة من الخفافيش التي تعتبر «ديليكاتاسون» في هذه الجزر.

درس في الرقص المحلي

من الأنشطة التي توفرها الفنادق، دروس في الطبخ المحلي، وفي اللغة المحلية، وأيضاً في الرقص المحلي، «سيغا»، وهو رقص قريب من الأفريقي في إيقاعاته وموسيقاه. وما زال السكان المحليون يذكرون كيف كان العمال يجتمعون بعد عناء عمل الأسبوع، ويجلسون تحت شجرة جوز الهند يغنون ويرقصون نوعاً يسمى «موتيا» الذي سرعان ما حظره المستعمرون على اعتبار انه رقص مثير.

وثمة مهرجانات تقام في أيام معينة من السنة، فمثلاً هناك الكرنفال الدولي في فيكتوريا الذي ينظم في نيسان (أبريل) ويصفه السكان بأنه «كرنفال الكرنفالات» حيث تُستقدم فرق من كل العالم، وبعضها مشارك في مهرجان «ريو» الشهير. وهناك مهرجان «كريول» الذي ينظم نهاية تشرين الأول (أكتوبر) من كل عام للاحتفاء بفكتوريا، عاصمة عالم الكريول.

أنشطة ترفيهية

الطبخ المحلي… «كريول»

> إحدى أجمل التجارب التي خضناها في الجزيرة هي درس في المطبخ المحلي «الكريول»، أعدها لنا منتجع «إتش» في جزيرة «ماهه». يومها، تتلمذنا على يد «الشيف ماريو»، وهو إيطالي بكل معنى الكلمة… في حديثه ولهجته وبحبوحته، وفي حبه للطبخ والطعام. وقد كان. على مدى ساعة، كنا نتبع تعليماته، كل منا على موقد للطهو مرتدياً زي الطباخين وقبعتهم، يلتقط الصور، ويعد طبقاً من الأخطبوط بالكاري ومرفقاته. كانت مسابقة شيّقة: أيّ الأطباق أطيب؟ ومن أعده؟ من الحكم؟. ليس مهماً، لأن الأهم هو التجربة نفسها.

 

سر «جوزة الهند»

> خلال وجودي في سيشيل، أرسلت مجموعة صور الى أهلي من الجزيرة، لكن من بين أكثر من 20 صورة استوقفت الجميع صورة لي وأنا أحمل ثمرة جوز هند كبيرة، فسألوني تباعاً: «لكن ما قصة جوزة الهند؟». في الحقيقة أن إحدى الأنشطة الترفيهية التي يوفرها فندق «كامبينسكي» لنزلائه هي طريقة تقشير جوزة الهند على الطريقة المحلية، ثم كسرها من دون إراقة مائها، وهي تجربة فيها الكثير من المتعة، خصوصاً عندما يتجمع النزلاء للتشجيع، او التقاط الصور، أو انتظار دورهم بلهفة.

وفيما أنا أقشر الثمرة بالطرق البدائية، تخيّلت نفسي مثل الممثل الأميركي توم هانكس في فيلم «كاست أواي» (المنبوذ) عندما وجد نفسه في جزيرة نائية بعد نجاته من تحطم طائرة كانت تقله. عند هذا الخاطر، بدأت أتعلم بكل عزم وقوة تكسير الثمرة فلربما كانت طوقاً للنجاة ذات يوم. أما طريقة التقشير، فسنتركها لكم لتختبروها عند زيارة الجزيرة.

 

«يوغا على التلة»

> صحَونا في أحد الأيام باكراً. قالوا سنذهب لدرس «يوغا» على أعلى التلة المواجهة لفندق «كامبينسكي»، وهي جزء من أرض شاسعة حول الفندق مملوكة له. كنت في غاية الحماسة. اعتبرتها تحدياً للذات، فها أنا استيقظ باكراً من أجل الرياضة. لم أكن في لحظتها أدري أن عليّ عبور «أدغال» على القدمين. لم تكن أدغالاً تماماً، خصوصاً أن الحيوان الوحيد الذي رأيناه كان عنكبوتاً، لكني أحسست مرة أخرى أنني في فيلم، وهذه المرة فيلم رعب. مشينا أولاً في الشارع المؤدي الى مدخل الأحراش، ثم مشينا فيها صعوداً نصغي بانتباه لكل صوت. تسلقنا الصخور حتى وصلنا بعد ساعة أو أقل إلى أعلى التلة. كنا منهكين، عطشين نقطر عرقاً، وجوهنا محمّرة وقلوبنا تضرب بشدة… إلى أن رأينا ذلك المشهد المهيب: ننظر من علٍ إلى البحر وتموجاته وما يحيط به من خضرة بكر، وفندقنا في الأسفل. هدأت نفوسنا، وبدأنا نستمتع بالمنظر فيما نستنشق الهواء العليل النقي ونسمات عذبة تضرب وجوهنا. بعد جولة من الصور، جلسنا، فإذا بنا في حضرة «اليوغا». أنهينا الحصة على عجل، وعدنا إلى الفندق بغاية السعادة، مكتفين بما نحمله في ذاكرتنا من مشهد لا ينسى.

طيران الامارات الى سيشيل

عملتها الروبية، ولا يحتاج السياح إلى تأشيرة دخول إليها، بل فقط إلى جواز سفر صالح لستة أشهر على الأقل، إضافة إلى تحديد مكان الإقامة وأموال تغطي نفقات الزيارة. كما لا يحتاج المسافر إليها إلى أي لقاحات خاصة، مثلما هي الحال مع دول أفريقية أخرى، وذلك لكونها خالية من الأمراض. ومعروف أن سيشيل تقع خارج مناطق الزلازل والفيضانات والتسونامي.

ويعتقد كثيرون أن جزر سيشيل بعيدة، لكن في حقيقة الأمر هي ليست كذلك، على الأقل بالنسبة إلى الشرق الأوسط والخليج، بل هي على بعد 4 ساعات من دبي مثلاً، حيث تسيّر «طيران الإمارات» 11 رحلة أسبوعياً إلى جزيرة «ماهه»، كما توفر رحلات إليها من أوروبا ودول أخرى على متن طائرة «إيه 380» الرائعة ذات الطبقتين والضيافة الرفيعة والأكل الطيب ووسائل الترفيه المتعددة، ويمكن خلال هذه الرحلة التوقف في دبي لساعات فقط، أو ليوم للاستراحة في أحد فنادقها الفخمة القريبة من المطار، مثل فندق «ميريديان» الذي يبعد عنه نحو 10 دقائق. وثمة خطوط طيران أخرى إلى سيشيل، على رأسها شركة الطيران الوطنية «سيشيل» التي توفر رحلات مباشرة من لندن وباريس وروما وجنوب أفريقيا وسنغافورة، وغيرها.

…وفنادقها

يلاحظ زائر جزر سيشيل غياب الفنادق الشاهقة الارتفاع لمصلحة الشاليهات والفيلات، وعلى أغلب الظن أن ذلك يرجع إلى القوانين المحلية.

في هذه الجزر الكثير من الفنادق من كل فئة ونوع، بدءاً بالنزل الذي يقوم عليه مالكوه، أو الفيلات والشاليهات الخاصة، إلى الفنادق من فئة 5 نجوم، أو التي تنتمي إلى فنادق عالمية شهيرة، وهي بعمومها تخدم السياحة المضطردة في هذه الجزر، وسياحها الذين يتوافدون من كل أنحاء العالم، وأكثرهم من ألمانيا، ثم فرنسا فبريطانيا، فدولة الإمارات العربية، في حين تتطلع هيئة السياحة الوطنية إلى استقطاب السياحة من الصين وروسيا.

في القسم الشمالي من «ماهه»، يوجد منتجع واحد من خمسة نجوم هو «إتش ريزورت»، وهو الوحيد القريب إلى قلب المدينة وعاصمتها وأسواقها الشعبية ومعابدها وملاهيها الليلية. غرفه عصرية ومريحة وفخمة جداً من دون أن يشكل وجود المنتجع نفسه أي عدوان على البيئة المحيطة، بل يتطابق في شكله وتفاصيله مع الطابع المحلي والعام للجزيرة. ميزته في موقعه وفي كونه حديث العهد، إذ افتتح قبل نحو شهرين فقط. ويوفر الفندق أنشطة كثيرة أحدها دروس في الطبخ المحلي «الكريول»، ولديه منتجع رائع.

أما في القسم الجنوبي من «ماهه»، فينتشر معظم الفنادق والمنتجعات من فئة خمسة نجوم، مثل «كامبينسكي» و «فور سيزونز» و «بانيان تري» الذي يشتهر بمطعم «سافرون»، وبمنتجعات التدليك بأنواعه.

يبعد «كامبينسكي» عن المطار نصف ساعة، وعن العاصمة 40 دقيقة. يتمتع بشاطئ عام له كل صفات الشاطئ الخاص، اذ أن موقعه يجعل وصول غير النزلاء إليه صعباً. مساحته كبيرة واتساعه أفقي، وله مهبط خاص للمروحيات، ويستفيد من أرض مشجرة واسعة، ويعتمد منطق الشاليهات والفيلات العصرية. والأهم أنه من الفنادق التي توحي بالحيوية ومحاولة التجدد الدائم، وعليه إقبال كبير. ويوفر الفندق العديد من الأنشطة، مثل درس «يوغا» فوق التلة المقابلة للفندق، وتعليم طريقة تقشير ثمرة جوز الهند وكسرها، إضافة إلى دروس في الرقص المحلي «الكريول» وغيرها.

القاسم المشترك بين هذه الفنادق هو الحرفية العالية واللطف الشديد للقائمين عليها والعاملين فيها على السواء، في حين تتنافس في ما بينها في توفير الأنشطة المختلفة والمتميزة للنزلاء.

+ -
.