
بقلم منى أبو جبل *
توظيف البرمجة اللُّغويّة العصبيّة في التّربيّة والتّعليم من نقل المعرفة إلى بناء الإنسان.
من خلال عملي في التّعليم والإرشاد والتّدريب، لاحظت أنّ كثيرًا من الصّعوبات التّعليميّة التي نواجهها مع أبنائنا وطلّابنا ليست دائمًا بسبب ضعف الذّكاء أو قلة القدرات.
فكم من طالب يمتلك قدرات عالية، لكنّه لا يجرؤ على المشاركة؟
وكم من طالب يعرف الإجابة، لكنّ الخوف من الخطأ يمنعه من رفع يده؟
وكم من طالب حفظ المادة جيدًا، لكنّه عندما جلس أمام ورقة الامتحان شعر وكأنّ كلّ ما تعلّمه قد اختفى؟
وكم من طالب سمع مرارًا:
“أنت ضعيف”، “أنت لا تفهم”، “أخوك أشطر منك”، “لن تنجح”…
حتى تحولّت الكلمات مع الوقت إلى صوت داخلي يرافقه ويحدّد نظرته إلى نفسه؟
هنا بدأْتُ أرى العمليّة التّعليميّة من زاوية أوسع.
فالمشكلة ليست دائمًا: ماذا يعرف الطّالب؟
بل أحيانًا: ماذا يعتقد عن نفسه؟ وكيف يشعر؟ وكيف يفكّر؟ وكيف يتعامل مع ما يعرفه؟
وهذا يقودنا إلى سؤال مهم:
هل يكفي أن نعلّم الطّالب المعلومة؟
نحن نعيش اليوم في عصر أصبحت فيه المعلومة متاحة خلال ثوانٍ. يستطيع الطّالب أن يبحث ويقرأ ويشاهد ويصل إلى كم هائل من المعرفة.
لكنّ المعرفة وحدها لا تكفي.
فالطّالب يحتاج أيضًا إلى أن يتعلّم كيف يفكر، وكيف يسأل، وكيف يتعامل مع الخطأ، وكيف ينظّم مشاعره، وكيف يتواصل، وكيف يستعيد ثقته بعد الفشل، وكيف يستخدم ما تعلّمه في حياته.
ومن هنا أرى أهميّة إدخال مهارات الوعي والتّواصل وتنميّة التّفكير إلى البيئة التّعليميّة.
أين تأتي البرمجة اللُّغويّة العصبيّة NLP؟
البرمجة اللُّغويّة العصبيّة لا ينبغي أن تُقدَّم في المدرسة باعتبارها بديلًا عن علم التّربيّة أو علم النّفس أو المناهج التّعليميّة، ولا كحل سحري لكلّ مشكلة.
لكن يمكن الاستفادة من عدد من مفاهيمها وأدواتها في مجالات مثل التّواصل، وصياغة الأهداف، والانتباه إلى اللُّغة، وفهم الخبرة الفرديّة، وتغيير بعض أنماط التّفكير والسّلوك، مع توظيفها بوعي تربوي والاستناد إلى الممارسات التّعليميّة والنّفسيّة المثبتة علميًا.
ومن المفاهيم التي أُحبُّها كثيرًا في هذا السّياق:
“الخريطة ليست هي الواقع”
فالطّالب الذي أمامي لا يرى الموقف بالطّريقة نفسها التي أراه بها أنا.
لكلّ إنسان “خريطته” التي تشكّلت من تجاربه، وبيئته، ولغته، ومعتقداته، ونجاحاته وإخفاقاته.
عندما يقول طالب:
“أنا لا أستطيع أن أحلّ الرّياضيات”
فربما لا يصف حقيقة ثابتة، وإنما يصف تجربة سابقة كوَّن من خلالها اعتقادًا عن نفسه.
وعندما يقول آخر:
“أنا لا أعرف أن أتحدّث أمام الصّف”
فقد لا تكون المشكلة في قدرته على الكلام، بل في خوف سابق، أو موقف محرج، أو صورة ذهنيّة بناها عن نفسه.
هنا يتغيّر دور المعلم.
بدل أن يسأل فقط:
“لماذا لم تتعلّم؟”
يمكن أن يسأل:
“ما الذي يعيق تعلمك؟ وكيف أستطيع مساعدتك على أن تتعلّم بطريقة أفضل؟”
وهذا التّحوّل البسيط في السّؤال قد يفتح بابًا كبيرًا للتّغيير.
اللُّغة التي يستخدمها المعلّم تصنع فرقًا
الكلمات داخل الصّف ليست مجرّد أصوات عابرة.
عندما نقول لطالب:
“أنت فاشل.”
فنحن نحكم على هويّته.
لكن عندما نقول:
“هذه المحاولة لم تنجح بعد، دعنا نجرّب طريقة أخرى.”
فنحن نفصل بين الطّالب وبين النّتيجة.
الأولى قد تغلق الباب أمامه، أما الثّانية فتترك أمامه إمكانيّة للتّعلم والنّمو.
بدلًا من:
“أنت لا تفهم.”
يمكن أن نقول:
دعنا نبحث عن طريقة تساعدك على الفهم.
وبدلًا من:
أنت ضعيف في هذه المادة.
يمكن أن نقول:
هناك مهارات تحتاج إلى مزيد من التّدريب.
إنّ كلمة صغيرة مثل “بعد” قد تحمل رسالة كبيرة:
“أنا لم أُتقن هذا بعد.”
أي أنّ الطّريق ما زال مفتوحًا.
من التّعليم المتشابه إلى مراعاة الاختلاف
من الأخطاء التي قد نقع فيها أن نشرح بالطّريقة نفسها للجميع، ثم نتوقّع النّتيجة نفسها من الجميع.
لكنّ الطّلاب مختلفون في خبراتهم السّابقة، وسرعة تعلّمهم، واهتماماتهم، واحتياجاتهم، ومستوى استعدادهم.
لذلك يحتاج المعلّم إلى التّنويع:
أن يشرح، ويسأل، ويعرض صورة، ويستخدم نشاطًا، ويتيح الحوار والتّجربة والتّطبيق.
ليس لأنّنا نريد تصنيف كلّ طالب في “نمط تعلم” ثابت، وإنّما لأنّ تنويع طرق عرض المعرفة والمشاركة فيها يمنح عددًا أكبر من الطّلاب فرصًا للفهم والتّفاعل.
ماذا عن استرجاع المعلومات؟
أحيانًا لا تكون المشكلة أنّ الطّالب لم يتعلّم، وإنما أنه لا يستطيع الوصول بسهولة إلى ما تعلّمه عندما يحتاج إليه.
وهنا تظهر أهميّة تنظيم المعلومات، والرّبط بين الجديد والمعرفة السّابقة، والتّكرار المتباعد، والتّدريب على الاسترجاع، وربط المفاهيم بأمثلة وتطبيقات ومعانٍ واضحة.
كما أنّ الحالة الانفعالية مهمّة.
فالطّالب الذي يدخل الامتحان وهو في حالة خوف شديد قد يجد صعوبة أكبر في التّركيز واستحضار المعلومات.
لذلك فإنّ تعليم الطّالب بعض مهارات تنظيم الانفعال، والتّنفس، والاستعداد الذّهني، والتّعامل الواقعي مع الأفكار السّلبية يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من الاستعداد للتّعلّم والتّقييم.
المعلم الواعي لا يرى السّلوك فقط
قد نرى طالبًا كثير الحركة ونقول: “مشاغب”.
وقد نرى طالبًا صامتًا ونقول: “غير مهتم”.
وقد نرى طالبًا يرفض الإجابة ونقول: “كسول”.
لكن ماذا لو سألنا:
ما الذي يوجد خلف هذا السّلوك؟
ربما يوجد خوف.
ربما إحراج.
ربما حاجة إلى الاهتمام.
ربما صعوبة لم يستطع التّعبير عنها.
ربما تجربة فشل متكرّرة جعلته يقرّر أنّ الانسحاب أقل ألمًا من المحاولة.
وهنا يصبح الوعي التّربوي مهمًا جدًا:
ألّا نحكم على الإنسان من سلوكه الظّاهر فقط، بل نحاول فهم الرّسالة الموجودة خلف السّلوك.
المعلم نفسه يحتاج إلى الوعي
عندما نتحدّث عن تطوير التّعليم، غالبًا ما نتحدّث عن الطّالب.
لكن ماذا عن المعلّم؟
المعلّم يدخل الصّف أيضًا ومعه أفكاره ومشاعره وضغوطه وتوقعاته.
وطريقة دخوله إلى الصّف، ونبرة صوته، ونظرته إلى طلاّبه، والطّريقة التي يتعامل بها مع الخطأ، كلّها تؤثر في المناخ التّعليمي.
لذلك فإنّ تطوير المعلم لا ينبغي أن يقتصر على معرفة المادة وطرائق التّدريس فقط.
بل يحتاج أيضًا إلى تطوير مهارات:
التّواصل، والإنصات، وإدارة الانفعال، والمرونة، وطرح الأسئلة، والتّحفيز، وفهم الفروق الفرديّة، وبناء العلاقة مع الطّالب.
لأنّ الطّالب قد ينسى درسًا شرحناه…
لكنّه قد لا ينسى معلمًا جعله يؤمن بنفسه.
ما الذي يمكن أن نأخذه إلى الصّف عمليًا؟
يمكن ترجمة هذه الأفكار إلى ممارسات صغيرة جدًا:
أن يبدأ المعلم الحصة بسؤال يحرك التّفكير بدل البدء مباشرة بالشّرح.
أن يمنح الطالب وقتًا للتّفكير قبل الإجابة.
أن يستبدل لغة الحكم بلغة النّمو.
أن يحتفل بالمحاولة والتّحسّن، لا بالعلامة فقط.
أن يساعد الطّالب على وضع هدف واضح وقابل للتّحقيق.
أن يسأل الطّالب الذي أخفق:
“ماذا تعلمت من هذه المحاولة؟ وماذا ستفعل بطريقة مختلفة في المرة القادمة؟”
وأن يجعل الخطأ جزءًا طبيعيًا من عمليّة التّعلّم وليس مصدرًا للخجل.
هذه الممارسات قد تبدو بسيطة، لكنّها عندما تصبح ثقافة صفيّة فإنّها تغيّر علاقة الطّالب بالتّعلّم.
نحن لا نريد طالبًا يحفظ فقط
الهدف الأعمق من التّعليم ليس أن نملأ ذاكرة الطّالب بالمعلومات ثم نختبر مقدار ما بقي منها.
نريد طالبًا يعرف كيف يتعلّم.
كيف يفكّر.
كيف يبحث.
كيف يُناقش.
كيف يختلف باحترام.
كيف يواجه الخطأ.
كيف يعرف نقاط قوّته ويعمل على نقاط ضعفه.
وكيف يبني علاقة صحيّة مع نفسه ومع الآخرين.
وهنا تلتقي التّربية مع الوعي.
لأنّ بناء العقل يسبق أحيانًا ملء العقل بالمعلومات.
إنّ توظيف بعض أدوات البرمجة اللُّغوية العصبيّة في التّربيّة والتّعليم يمكن أن يكون مساحة إضافيّة لتطوير التّواصل والوعي واللُّغة وصناعة الأهداف، عندما يتم ذلك بصورة مهنيّة ومتوازنة، وضمن منظومة أوسع من الممارسات التّربويّة والنّفسيّة القائمة على الأدلة.
فنحن لا نبحث عن تقنيّة سحريّة تغير الطّالب.
بل نبحث عن معلّم أكثر وعيًا، وطالب أكثر فهمًا لذاته، وبيئة تعليميّة تسمح بالسّؤال والخطأ والمحاولة والنّمو.
وربّما يكون السّؤال الذي يستحق أن نحمله معنا في نهاية كلّ يوم دراسي ليس فقط:
كم معلومة أعطيت طلابي اليوم؟
بل:
ماذا زرعت فيهم اليوم؟
هل زرعت خوفًا أم فضولًا؟
هل زرعت حكمًا أم فرصة؟
هل جعلت الطّالب يخشى الخطأ… أم جعلته يؤمن أنّه يستطيع أن يتعلّم منه؟
لأنّ التّعليم الحقيقي لا يقتصر على صناعة طالب ناجح في الامتحان…
بل يسهم في صناعة إنسان يعرف نفسه، ويثق بقدرته على التّعلّم، ويمتلك الشّجاعة ليحاول من جديد.
منى أبو جبل
معلمة | مدرّبة ومنتور NLP | موجّهة مجموعات | مستشارة زوجية
مركز التّغيير والتّطوير































