
تواصل الفنانة التشكيلية رندا مداح حضورها المتصاعد في المشهد الفني الجولاني، عبر أعمال بصرية تمزج بين الخيال والذاكرة والهوية، مستندة إلى تجربة شخصية عميقة تشكّلت في الجولان، وتحولت إلى لغة فنية فريدة تلامس قضايا الإنسان والوجود.
من مجدل شمس إلى كلية الفنون الجميلة في دمشق، ثم إلى القدس وباريس، حيث حصلت على درجة الماجستير في الفنون الجميلة، تنشط رندا في السنوات الأخيرة، فتقدم أعمالاً عبارة عن مزيج من الرسم والنحت والفيديو والتركيب الفني.
شاركت رندا خلال السنوات الأخيرة في معارض دولية بارزة، من بينها معارض في باريس ودبي وروما وطوكيو، كما حصدت جوائز فنية عالمية، أبرزها جائزة التميز الدولية في اليابان.
تتمحور تجربتها حول مفاهيم الذاكرة والمنفى والهوية، فتستحضر في أعمالها آثار الواقع السياسي والاجتماعي الذي نشأت فيه. وتسعى من خلال لوحاتها إلى إعادة بناء الذاكرة الفردية والجماعية، وطرح تساؤلات حول الانتماء والاقتلاع، في ظل واقع معقّد يعيشه سكان الجولان.
كما يظهر في أعمال الفنانة رندا تأثر واضح بالطبيعة، التي تتحول إلى ملاذ رمزي يعكس فكرة العودة والأصل، إضافة إلى حضور مفاهيم مثل التحول والتجدد والتقمص.
تعكس لوحاتها أسلوباً معاصراً يدمج الإنسان بالطبيعة، فتظهر الأجساد البشرية وكأنها تنبثق من الأشجار أو تذوب فيها، في تعبير رمزي عن الجذور والانتماء إلى الأرض، موظفةً لذلك عناصر سريالية (طيوراً ومخلوقات هجينة) تضيف بعداً روحياً لأعمالها.
تستخدم رندا في أعمالها ألواناً قوية ومتضادة بشكل كثيف يخلق حالة بصرية نابضة، تجمع بين الجمال والقلق في آنٍ واحد. وتميل أعمالها إلى كثافة التفاصيل، مستلهمةً أحياناً من تقنيات المنمنمات التقليدية، لكن بروح معاصرة. وتبدو العناصر في لوحاتها في حالة تدفق دائم، ما يعكس فكرة التحول المستمر، ويجعل أعمالها أقرب إلى عوالم أسطورية حية، حيث تتداخل الطبيعة مع الجسد والذاكرة في سرد بصري مفتوح على التأويل.
في أعمالها الحديثة، خاصة ضمن سلسلة “الحدائق المعلقة”، تذهب مداح نحو بناء مشاهد أقرب إلى الحلم، تعالج فيها فكرة التحرر والملاذ الآمن، عبر الطبيعة كمساحة خلاص من الواقع القاسي.
وتعكس هذه الأعمال حالة “العيش بين عالمين” – بين الوطن والمنفى – حيث تظهر الشخصيات وكأنها معلّقة بين الأرض والسماء، بين الماضي والحاضر.
رندا مداح صوت فني قادم من الجولان إلى باريس، استطاعت أن تحوّل تجربتها الشخصية إلى خطاب بصري عالمي يلامس قضايا الإنسان في كل مكان. ففنها ليس مجرد لوحات، بل مساحات للتأمل في الذاكرة والهوية والانتماء، تُروى عبر لغة بصرية غنية تجمع بين الواقع والخيال، وبين الألم والأمل.






































