شمال إيطاليا.. جمال طبيعي لم يكتشفه السياح بعد

في الوقت الذي يذهب فيه السياح إلى روما والبندقية، فإنهم يغفلون عن كثير من المدن الإيطالية الساحرة، التي تقع شمال البلاد، وأهمها مدينة جنوا التي ولد فيها كريستوفر كولومبوس مكتشف أميركا. وتصف شركات السياحة الإيطالية المدينة بأنها «جوهرة ثقافية مغمورة». وهي عاصمة إقليم ليغوريا في شمال شرقي إيطاليا، ويخدمها مطار يحمل اسم كولومبوس وتأتيه الطائرات من أنحاء أوروبا. ويمكن اعتبار جنوا نقطة انطلاق لاستكشاف الساحل الإيطالي الشمالي.

والمسافر إلى جنوا من الشرق الأوسط عليه أن يختار ما بين رحلة إلى روما وأخرى داخلية على الخطوط الإيطالية إلى جنوا، أو السفر إلى مطار بولونيا القريب على مسافة ساعتين بالسيارة. وفي المدينة لا بد من زيارة قلبها التاريخي الذي يعج بالشوارع الضيقة التي تتجاور المنازل فيها بأسلوب القرون الوسطى العشوائي.

وتقع جنوا على ساحل اسمه ريفييرا دي ليفانتي، الذي يعني ساحل الشمس المشرقة وهو من السواحل الدرامية، بتلالها الحادة ومنازلها المنتشرة على السواحل. ولا تفصل بين مدن الساحل سوى عدة كيلومترات شرقا وغربا.

إعلان

إعلان

إعلان

وأفضل وسيلة لاستكشاف منطقة شمال إيطاليا هي استئجار سيارة في مطار الوصول والتجول بها في المدن القريبة لاستكشافها وقضاء ليلة أو ليلتين في كل منها. وتوفر كل مدينة نكهة مختلفة عن الأخرى، كما أن المسافات بينها ليست بعيدة ويمكن قطعها بالسيارة في غضون ساعة أو ساعتين.

من المدن القريبة من جنوا كل من بيرغامو وفيرونا وبورتوفينو وكاموغلي وليريشي.

وفي ميناء المدينة القديم، تختلط زوارق الصيد بيخوت الأثرياء وسفن الكروز التي تزور المدينة، فيما يبدو أنه نشاط سياحي يقتصر على هؤلاء الزوار من البحر. ويوفر الميناء وجهة سياحية تكفي ليوم كامل من التجول بين شوارع الميناء وزيارة حديقة الأسماك فيه والاسترخاء على المقاهي المجاورة لرصيف الميناء.

لمحة تاريخية

تاريخيا، تعد جنوا من ضمن مجموعة المدن الإيطالية التي انطلق منها عصر النهضة الأوروبي. وهي الفترة التي انتقلت فيها القارة من القرون الوسطى إلى العصر الحديث بكل معطياته وسعة إدراكه.

من المدن القريبة أيضا مدينة بيرغامو التاريخية التي تنقسم إلى شقين، أحدهما أعلى التل، وهي المدينة التاريخية، والآخر في الوادي وهي المدينة الحديثة. وينطلق معظم السياح إلى المدينة التاريخية للاستمتاع بمبانيها العتيقة المحفوظة جيدا عبر التاريخ. وفي المتحف المحلي يمكن استعراض لوحات أصلية من فناني عصر النهضة مثل رافييل وبوتشيلي وكاناليتو.

في الشمال الإيطالي، تقع أيضا مدينة فيرونا التي اختارها ويليام شكسبير لكي تكون مسرحا لروايته الشهيرة «روميو وجولييت». وهي مدينة ساحرة تنتشر فيها الآثار الرومانية وقصور عصر النهضة. وتقع بين ميلانو والبندقية ولا تلقى الاهتمام الكافي من السياح. وتوفر لزوارها نفحات من التاريخ الإيطالي وتراثه من دون الزحام السياحي المعتاد. وتحاول المدينة جذب السياح بكل الطرق، حيث أنشأت حديثا ما أطلقت عليه اسم «منزل جولييت» للاستفادة من شهرة رواية شكسبير، ولكن على الزوار إدراك أن الرواية لم تكن أبدا واقعية وشخصيات روميو وجولييت شخصيات خيالية.

وتعد بورتوفينو من أجمل مدن السواحل الإيطالية الشمالية، واشتهرت في فترة الستينات من القرن الماضي حين كان يزورها المشاهير للاستمتاع بمناخها الساحر وجمالها الطبيعي الذي جعلها مركز الريفييرا الإيطالية. وهي على مقربة من جنوا برحلة مدتها ساعة واحدة بالسيارة. وتاريخيا كانت بورتوفينو تشتهر بأنها تجذب رحلات اليوم الواحد من المدن القريبة ويزورها الإيطاليون بنسبة مشابهة للسياح الأجانب. كما يفد إليها السياح الأثرياء اليوم باليخوت التي ترسو بالقرب من الميناء التاريخي.

وتختلف بورتوفينو في أن منازلها التي تواجه البحر وتنتشر بين الميناء والتلال القريبة ملونة بجميع الألوان وتبدو فيما بينها كأنها لوحة فنية في حد ذاتها. من المعالم السياحية الأخرى في المدينة فنارة بونتا بورتوفينو وقلعة كاستيلو براون.

من المدن التي لم تقتحمها السياحة بعد، مدينة كاموغلي التي ظلت على طبيعتها الأصلية بوصفها ميناء لصيد الأسماك، تتميز بمنازل ذات ألوان متنوعة ترسم فيما بينها لوحة فنية أصيلة. وتبعد نحو 40 كيلومترا (كلم) من مطار جنوا وتتميز بوجود عدد كبير من الفنادق الفاخرة على سواحلها، بالإضافة إلى المطاعم الإيطالية. وهي تصلح تماما لكي تكون قاعدة للانطلاق منها لاستكشاف بقية الساحل الإيطالي الشمالي. وهناك تفسيرات متعددة لمعنى كاموغلي، أحدها يشير إلى تراكم المنازل الملونة المنتشرة على الشاطئ.

من أجمل الفنادق المطلة على البحر في كاموغلي فندق «سينوبيو دي دوغي» وهو يوفر غرفا مكيفة تطل على البحر وحمام السباحة. ويرتفع نحو أربعة طوابق، ويعد من المواقع التقليدية التي يقصدها أهل المدينة للسهر في كافيتيريا ومطعم الفندق. ويمتد الفندق على جناحين تربط بينهما حديقة. ويوفر الفندق مواقع لصف السيارات، وهي ميزة حيوية، حيث من الصعوبة إيجاد موقع في المدينة لصف السيارات.

ومن كاموغلي يمكن الذهاب إلى ليريتشي، وهي قرية صيد أخرى تحاول أن تجذب مزيدا من السياح بعد أن اكتشفتها سفن الكروز في العام الماضي. وتوفر ليريتشي كثيرا من عوامل الجذب السياحي، مثل القلعة التاريخية التي تطل على أطراف المدينة، واسمها كاستيللو سان تيرينزو. ويقول أهل القرية إن ملك فرنسا، فرنسوا الأول، سجن في هذه القلعة بعد هزيمته أمام الإمبراطور تشارلز الخامس. ويشتهر بقوله «لقد فقدنا كل شيء ما عدا الشرف».

وهي قرية توفر كثيرا من وسائل الاسترخاء طوال الموسم السياحي الصيفي، من الاستلقاء على الشواطئ الرملية إلى اسئتجار الزوارق في رحلات بحرية لاستكشاف الكهوف البحرية والجزر القريبة.

وعلى الشواطئ تنتشر الطرق المخصصة للدراجات ورياضة المشي، التي تناسب السياح النشطين الذين يقطعون مسافات في التريض على الساحل يوميا. ويذهب البعض إلى فيلا ماريغولا، وهي مجمع من القرن الثامن عشر بها كثير من الفلل والحدائق المصممة على الطرازين الإنجليزي والإيطالي. وتحتوي الحدائق على كثير من أنواع النبات النادرة.

ويحرص البعض على زيارة فيلا ماغني على شاطئ سان تيرينزو التي سكنها الشاعر الإنجليزي بيرسي شيللي. ويقال إنه شهد عاصفة رعدية شديدة على شواطئ ليريتشي من الفيلا، مما ألهمه كتابة رواية فرانكشتاين.

ويمكن القول إنه من بين جميع عوامل الجذب السياحي في شمال إيطاليا، فإن التنوع الجغرافي هو أفضل ما في المنطقة. ففي بعض أيام العام يمكن التزلج على الجليد في جبال الألب ثم الاستحمام في المياه الدافئة على الريفييرا الإيطالية.

منها إلى ميلانو

وفي شمال إيطاليا، حيث بعض الأسماء الإيطالية الشهيرة في عالم الموضة والتصميم مثل أرماني وألفاروميو يمكن القيام برحلات تسوق إلى ميلانو. ويمكن استخدام القطار بدلا من السيارة في بعض الرحلات الطويلة نسبيا. ولمن يريد قضاء بعض الوقت في ميلانو عليه الحجز السابق للفنادق هناك، خصوصا في أوقات معارض الموضة أثناء فترات الربيع والخريف. ويتعين الحجز السابق أيضا للمتاحف والحفلات الموسيقية.

وتعد ميلانو من المدن الإيطالية الكبرى المشهورة بالتصميم والموضة، وتتميز بمعمارها التقليدي وطقسها المتقلب بين البارد شتاء والحار صيفا. وهي أيضا عاصمة المال والبنوك الإيطالية ومدينة الموضة والصناعة، ويتميز مواطنوها بالثراء وتتبع أحدث الأزياء. وتوفر كل شيء تقريبا للسائح الباحث عن معالم الحضارة الإيطالية. فهي توفر الآثار الرومانية والميادين الفسيحة ومعارض الفنون المليئة باللوحات الأصلية. كما تنتشر بها القلاع التاريخية وقصور عصر النهضة بالإضافة إلى التصميمات المعمارية الحديثة.

وفي عام 2015 استقبلت ميلانو 29 مليون زائر، حيث عقدت لمدة ستة أشهر معرض «ورلد إكسبو». وهذا العام تبقى المباني والأفكار التي قدمها المعرض العالمي ماثلة للزوار، ومنها منشآت من مصممين عالميين مثل دانييل ليبسكايند وزها حديد.

وتحوي المدينة أيضا بعضا من الفنون النادرة، مثل رسم العشاء الأخير لـليوناردو دافنشي وآخر أعمال النحت لمايكل أنجلو. وتفخر المدينة بفريقين لكرة القدم هما «إنترميلان» و«إيه سي ميلان».

وعودة إلى جنوا حيث يمكن المرور بمدينة سان ريمو التي يحتفظ بها الإيطاليون لأنفسهم، حيث يذهبون إليها للاستمتاع بالشواطئ في فصل الصيف، بالإضافة إلى أهل ميلانو الذين يهربون من صقيع مدينتهم شتاء إلى حضن سان ريمو الدافئ.

ويمكن الوصول إلى سان ريمو بالقطار من جنوا، وترتبط الموانئ الساحلية بالباصات التي تنطلق كل 15 دقيقة بين سان ريمو وبوردغيرا في رحلة تستغرق 20 دقيقة، ثم إلى جنوا التي تصلها بعد 45 دقيقة. ويمكن القيادة بين هذه المدن عبر الطريق السريع «أوتوسترادا إيه 10» الذي يستمر حتى الحدود الفرنسية.

ويقام في سان ريمو سنويا مهرجان للموسيقى في شهر فبراير (شباط) يستمر عدة أيام من العروض الموسيقية الحية من نجوم الموسيقى الإيطاليين والدوليين. ويمكن حجز تذاكر هذا المهرجان سابقا.

ولعل أفضل أوقات الزيارة بداية الصيف حتى شهر يونيو (حزيران) ثم بعد أغسطس (آب)، لتجنب الإقبال السياحي السنوي الكثيف سواء من الأجانب أو من الإيطاليين أنفسهم.

+ -
.