للقلق فوائد، فلا تقلقوا… نزيه بريك

بقلم نزيه بريك – الجولان المحتل

أسمع وقع أقدامٍ خلفي، أستدير بنصف وجه، كهلال، ولا من أحد. هل الذي، كطفل خائف، متشبثاً بفستان أمه، يمشي خلفي، كان ظلُّ قهري؟
أمرر نظري برفق من فوق الشرفة، أتحرَّش بحلمة السيجارة، وأرغبُ أن أنكَحَ العالمَ الخارجي.
حزين أنا بما يكفي لتكون الحياة بصقة، لكن ما زال الوقت باكرا على النهاية، لذا أرسم كل يوم غيمة في سقف غرفتي، كي لا يلعب الشيطان بعُبّهِ، وازرع حول سريري أشجاراً، كي لا تلعب الصحراء بذيلها.
أعرف أن الرياح إذا توقفت، ستموت بالسكتة القلبية، لذا أنفض جثث اليأس من حولي وأعانق رغبة قديمة أبت أن تتركني وحيداَ.
اعرف أننا مأخوذون بالزوال، لكن يهمني كثيرا ما يُفكر به الضباب المعتصم في وجه النافذة.
أدور حول رأسي، وأضع عين الشمس في عيني، أحاول الإمساك بطرف المدار، أقبض على أشياءٍ، وأشياءٌ تفلتُ مني، وتستمر الدوائر اتساعا حولي. أدخل في غابة من الضباب، وكِدّتُ أضيع مني، لولا أني تمسّكتُ بجدائل المعرفة. أنهض وأسرعُ إلى مطاردة ثاني أكسيد اليأس، الذي دخل غرفتي من الباب الخلفي، أسلكُ الزقاق المؤدي إلى رَفِّ الكُتب، وأُلقي القبض للمرة الثانية على “مزرعة الحيوانات “، أتفاعل مع تصاعد دراما الأحداث، لكني لم أفلح بكتم أفواه القلق في داخلي.
يقولون للقلق فوائد، فقد سمعتُ ذات حدث، بأن القلق يسمح لخلايا المخ بالتكاثر والتجدد ويُنقذ الذاكرة من هلاك النسيان.
بالقلق ستكتشف أن كل الأشياء التي يرفض النسيان استقبالها، ستعود بصوت عالٍ تصرخ في وجهك، وتبصق في وجه هذا العالم…، وستكتشف بأن المسافة بين نهارين ليست ظلام الليل، بل جرح مفتوح. وأن كل الذين قالوا لك، أنَّكَ على قيد الحياة كذّابون، كذّابون مِثل كل الخطابات، وستعرف، بأنك ما بين المهد واللحد، لست سوى معادلة بثلاثة مجاهيل:
الذي كانَ
الذي الآنَ
الذي لن يكون، إن لم تقلق…
مع القلق ستكتشف أنه كلما تعرّت السُلطة، ازداد الضغط والطلب على النشيد الوطني، وأن برج بيزا كان مثقفاً ضالعاً بعِلمِ الانحناء قبل تحوله إلى مادة صلبة.
بفضل القلق ستكتشف أن السمكة التي تدور في “الأكفاريوم” لا ترقص، وبأنها لم تكن يوما من أتباع الصوفية، هي فقط تعرف قيمة الحركة، وتحاول طرد النسيان على قاعدة الطرد المركزي.
سيدفعك القلق، أن تأخذ نقاط الماء المتسربة من حنفية المغسلة على محمل الجدّ، بعد أن قطعت حبل أفكارك، لتبحث عن السبب خارج جلدة المطاط، وخارج قانون نيوتن.
القلق سيُعلِّمُك التسلل من قسطل الوجاق إلى السطح، لتلقي نظرة على ما تبقى من جثة صمتك.
حين تمارس القلق، ستعرف أن الحياة من عوارض بلادنا الجانبية، وتتمنى لو يكون الوطن وجه امرأة، تَمُدَّهُ بجرعة “بوتكس”، كلما أُصيبَت خلاياه بالإخفاق. وستكتشف لماذا السلحفاة تشعر بالراحة في بلادي، فالوقت يسير على خاطر خطاها، وهي لا تُصاب بالدوار والإسهال، لأن التماثيل والصور تقع فوق خط نظرها.
من خلال القلق ستكتشف، بأن اليد وحدها من نال شرف الوصول إلى الفم والقلم، لكي تتقاسم مع الصوت تحريك الأشياء. وأن القلم يتصرف كالخيل قبل دخولها المعركة، يضرب حوافره على الطاولة لحث الكلمات خوض المعركة في ساحة الورقة، لتتمكن من بناء وطن في المساحة الممتدة بين الكلمة والكلمة، وبين السطر والسطر.
احياناً قد تشعر، بأنك غير قادر على حَملِ جثتك إلى المقبرة، لكن القلق سيُعلِّمك، كيف تعود إلى الحياة ثانية، وكيف تقطع يد الهروب، كلما شَدّكَ من أذنِكَ -كما يفعل أستاذ المدرسة- ويتركك واقفا على رؤوس أصابعك. وستكتشف أن الديك الذي يفتح كل يوم الباب للشمس، سيتنازل عن وظيفته، مقابل الطيران.

وأجمل ما ستكتشفه من خلال ممارسة القلق:
أن شهر شباط أعظم الأشهر، لأنه رفض الخيارانِ…، واكتفى بالقليل، فتَميّزَ.
وأن سكة الحديد آلة موسيقية من وترين، يعزف القطار عليها لحن السفر، كي لا يطعنه النوم في عينيه.
القلق سيُعلِّمُك، كيف تسرق كمشة ضوء من حلق السماء، وتخبئها في مداخل الجرح، وسيَحمِلُكَ إلى التمعن والسؤال: كيف دخل قوس القزح الكبير بيت قطرة الندى الصغير، دون أن يمسُّها بجرح؟
القلق سيجعلك تعترف بأنه لولا صفاء الليل لماتت البومة جوعاً، وأن العتمة ليس لعنة في قاموس الشمعة، بل هي مصدر الحياة
القلق يُوسِّع خيالك لدرجة الأمنية: لو يوافق مصنع أوراق المراحيض على إنتاج أوراق تحمل صور الزعماء، وستتنازل له عن حق ملكية الفكرة ومردود الأرباح.
قد يجعلك القلق تتقيأ الوقت سيجارةً بعد سيجارة، قحةً بعد قحة، زفيراً بعد زفير، تنهيدةً بعد تنهيدة، لكنك ستكتشف بأن ما تكتبه ضد الحياة، كان فقط من أجل الحياة وبأنك لست الميّتُ، ولا أنت صاحبُ العزاءِ.

إعلان

جميل أن يأخذك القلق في مشوار، لتكتشف أن النوم اتخذ موقفا منك، وليس لأسباب عاطفية، بل لتسأل نفسك ما معنى “إذا الشعب يوماً أراد الحياة” كما ورد في قانون الشابي، ويكون الجواب: لا بدّ أن ينساها، أو أن ينظر عميقاً في المرآة.

آخرُ اكتشافات القلق كانت، أن ورقة التوت قد سقطت عن وجه الجغرافية الجولانية، وأن “الهضبة” أصبحت سهلاً ممتنعاً عن رؤية “ليلة الكرستال” (Kristallnacht) في الشيخ جَرّاح والأقصى، بعدما صار جبل الشيخ كرشنا المُتخم، متخم لحدِّ أننا لم نشعر بالخنجر في الظهر، خنجر تحية الضباط حول “الدوّار”، مرفقة بعرض الآلات العسكرية.
يبدو أن قوانين السير هنا قد تغيَّرت بفعل الدورة الرأس مالية والفراغ…، ولما كانت الفيزياء لا تتحمل الفراغ، أرسلوا لنا من يُنظم حركة السير إلى الهاوية.

يُحكى أن طائراً كان يجلس في عُشِّه فوق الشجرة، فرأى من بعيد رجلاً يرفع شيئاً في وجهه. اعتقد الطير أن الرجل يلوِّحُ له بيده ويُلقي عليه السلام، فخرج من عُشِّه ووقف فوق الغصن ليرُدَّ التحية بأجمل منها، لكن كان الوقتُ متأخراً، حين اكتشف أن اليدُّ التي تُلوِّح له، ليست إلا بندقية الصياد.

للقلق فوائد، فلا تقلقوا…
سيأتي يوماً نبحث في الغربال عن عائلة يهودية، تُخبئنا في بيتها، لتحمينا من جرائم قطعان الصهيونية.

يا الله…!،
اضحك حتى طلوع الدمع
“شّعبكَ المختار” سقط
سقط في امتحانات مادة الإنسانية
يا الله!
لا تبكي
شيخ الخطايا سيغفر لكَ…، لتبدأ
من جديد، فالرسالة الأولى دائماً
مفتوحة
على الخطأ

+ -
.