
منى أبو جبل – بمناسبة عيد المعلّم
اقرؤوا المعلّم بين السطور، فخلف كلّ درس حكاية، وخلف كلّ عطاء قلب، وخلف كلّ جيل معلّم آمن به قبل أن يؤمن بنفسه. المعلّم عطاء لا تختصره السطور، ورسالة إنسانيّة أكبر من حدود الصفوف، وأرقى من أن تُقابَل بالتقليل أو غياب التقدير.
هو ذاك الإنسان الذي لم يكتفِ بأن يعلّم، بل احتضن، وآمن، ووثق، وشجّع، وساند، وربّى أجيالًا، وخرّج أطباء ومهندسين ومربّين وقادة، وكان في بداية حكاية نجاح الكثيرين.
هو الذي رأى في الطالب قدرة قبل أن يراها الطالب في نفسه، وقرأ خلف الصمت وجعًا، وخلف العناد حاجة، وخلف التعثّر فرصة جديدة للنهوض.
كان أبًا حين احتاج الطالب إلى الأمان، وأمًّا حين احتاج إلى الحنان، وأخًا حين احتاج إلى السند، وصديقًا حين ضاقت به الكلمات، وطبيبًا للروح حين عجز عن التعبير عمّا يؤلمه.
ولكن… من يحتضن المعلّم حين يتعب؟ ومن يُنصفه حين تُمسّ كرامته؟ ومن يرى الإنسان خلف هذه الرسالة؟
في زمن تتسارع فيه التغيّرات، وتزداد فيه التحدّيات التربويّة، أصبح المعلّم أحيانًا مطالبًا بأن يُعطي بلا حدود، ويحتوي بلا شروط، ويصبر بلا نهاية، بينما يُحاسَب على كلّ تقصير، وقد يُنسى كلّ ما قدّمه من عطاء.
نطالبه أن يفهم أبناءنا، وأن يُصغي إليهم، وأن يتقبّل اختلافاتهم، وأن يحتوي انفعالاتهم، وأن يمنحهم الأمان والثقة…
وهذا حقّهم، وهو جوهر رسالته.
ولكن، أليس من حقّه أيضًا أن يُحترم، وأن يُسمع صوته، وأن تُصان كرامته؟
إلى مجتمعنا، إلى الأهل، إلى الإدارات التربويّة، وإلى طلابنا الأعزّاء…
إنّ استعادة مكانة المعلّم ليست مسؤوليّة المعلّم وحده، بل مسؤوليّة مجتمع كامل.
إلى الأهل: أبناؤكم يتعلّمون احترام المعلّم من كلماتكم قبل أن يتعلّموه من قوانين المدرسة. حين نحفظ مكانته أمامهم، فإنّنا لا نحمي المعلّم فحسب، بل نعلّم أبناءنا قيمة الاحترام والامتنان.
إلى الإدارات التربويّة: المعلّم يحتاج إلى قيادة ترى جهده، وتقدّر مبادراته، وتسانده في التحدّيات، وتُنصفه حين يتعرّض للإساءة. فالتقدير ليس شهادة تُمنح في مناسبة، بل ثقافة تُمارَس كلّ يوم.
إلى طلابنا الأعزّاء: قد تنسون درسًا أو قاعدة أو معلومة، لكنّكم لن تنسوا معلّمًا آمن بكم، أو كلمة أعادت إليكم الثقة، أو يدًا امتدّت إليكم حين احتجتم إليها. احترموا معلّميكم، فاحترامهم لا ينتقص من حرّيّتكم، بل يرتقي بإنسانيّتكم.
وإلى كلّ معلّم ومعلّمة…
إلى المعلّم الشاب الذي يبدأ طريقه حاملًا الحماس والأحلام، وإلى المعلّم المخضرم الذي أفنى سنوات من عمره بين دفاتر الأجيال، وحمل في ذاكرته آلاف الوجوه والحكايات…
لا تسمحوا لقلّة التقدير أن تُطفئ نور رسالتكم، ولا تجعلوا قسوة الواقع تُنسيكم عظمة الأثر الذي تتركونه.
ومع ذلك، ليس المطلوب من المعلّم أن يصمت عن وجعه، أو أن يقبل الإساءة باسم الرسالة السامية. فالعطاء لا يعني التنازل عن الكرامة، والاحتواء لا يعني غياب الحدود، والتربية الواعية لا تعني التساهل مع قلّة الاحترام.
نحن لا نطالب بإعادة الهيبة من خلال الخوف أو فرض السلطة، بل نطالب بهيبة تُبنى على الاحترام المتبادل، والثقة، والعدل، والوعي بقيمة المعلّم ورسالته.
وأنا، كمعلّمة، أؤمن أنّ بناء الإنسان يسبق بناء المعرفة، وأؤمن بالإنسان قبل المنهاج، وبالأثر قبل العلامة.
وأؤمن أنّ التربية الواعية لا تُلغي الحدود، بل تعلّم أبناءنا أنّ الحرّيّة مسؤوليّة، وأنّ الاختلاف لا يبرّر الإساءة، وأنّ الاحترام قيمة لا تتغيّر بتغيّر الأجيال.
في عيد المعلّم، لا أريد أن نكتفي بالورود والكلمات الجميلة، بل أن نُعيد النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع من يصنعون مستقبل أبنائنا.
كلّ عام وكلّ معلّم ومعلّمة بألف خير.
كلّ عام وأنتم أصحاب رسالة، وصنّاع أثر، وزارعو أمل، مهما اشتدّت التحدّيات.
فقد تُمحى الكتابة عن اللوح، وتُطوى صفحات الكتب، لكنّ أثر المعلّم الحقيقي لا تمحوه السنين.
- منى أبو جبل
معلّمة تؤمن بالإنسان قبل المنهاج، وبالأثر قبل العلامة.
































