الفنان حين يكون مُخلصًا للجوهر البشريّ

الفنان أيمن الحلبي

أعترف بدايةً أن بيني وبين الفنان أيمن الحلبي من الجولان السوري المحتلّ علاقة صداقة نشأت بفضل فنّه وأعماله وليس بسبب الصلة المحتملة التي يُمكن أن يخبّأها الأسم المُشترك للعائلة. فأنا لا أعرف عن أي صلة قُربى سوى أن أجداده وأجدادي كانوا وصلوا إلى الجولان السوريّ وإلى الكرمل في فلسطين من ريف حلب في نهايات القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر. وما أعرفه أن اسم عائلتي قبل وصولها فلسطين كانت عزّ الدين. لكن الجدّ الأول القادم من حلب سمّي نسبة حاضرته. ومَن لا يُريد أن يقترن اسمه بحلب؟

كان الفن قاعدة صداقتنا وتعاوننا في مجال الفنون سيّما أنه متعدّد المجالات ويداه من ذهب تصنعان الجماليّ في كل ما تُنتج. والفن هو أحد مواضيعنا المحبّبة. كلّما التقينا خُضنا فيه بدءًا من أعمال أيمن الأخيرة وانتهاءً بما يُمكن أن يفعله في المستقبل وإمكانيات إقامة معرض هنا أو هناك. في المرّة الأخيرة التي زارني فيها تمحور حديثنا على المستقبل. على آفاق أعماله من حيث المواضيع والثيمات والتقنيات والأساليب. كان واضحا أنه يبحث عن أفق جديد ومعاني إضافية يُضيفها إلى معماره الفنيّ الذي اكتسب معالمه وفرادته مع السنين، واكتسب معه أيمن موقعه في ساحة الفنّ التشكيلي. وهو ما يؤهّله ليشرّف كلّ صالة عرض مُحترمة. وهذا بالتحديد ما جعل جاليري كلمات* في استنبول تنظّم له معرضًا لافتا بكل المعايير حظي باهتمام أهل الفن عمومًا وعُشاق الرسم بوجه خاص.

إن موقع أيمن في الإقليم، في منطقة محتلّة من الوطن، بعيدًا عن الوطن وتحت سيادة أجنبيّة مُحتلّة، هو مثار توتّر يُمكن تلخيصه بحقيقة العيش على الحدود ـ أو الحالة الحدّية. وهي حالة من التوتّر الوجوديّ المتغيّر على إيقاع الأحداث لا سيّما في مواجهة الاحتلال وبُعد الوطن كمركز، أو انهيارات الوطن كما حصل في سورية منذ العام 2011. في حالة كهذه من التشظّي الوجودي يكون الإنسان موزّعًا أو مضطرًّا للتوزّع والانتشار بين أمكنة وفي شروط الخطر الوجوديّ على أمنه وحياته وعمله. الحالة الحدّية حالة من عدم الوضوح في المكان والزمان وفي النفس البشريّة. وهو عدم وضوح ظاهر في أعمال الفنان أيمن الحلبي فلا الوجوه اكتملت ولا الأجساد ولا الروح ولا الخطوط ولا حدود اللوحة والأشكال فيها. هي حالة من السيولة، وقد تكون شديدة، تسيل معها الشخصيات إذا أتت منفردة أو مجتمعة، وتسيل معها الألوان على اللوحة وعلى بعضها البعض، وتسيل الرسمة فلا حدود لها، ويسيل الوقتُ والزمن الفنيّ ذات اليمين وذات اليسار تأكيدًا لقلق مُبدعها وسيولته في المستوى الوجوديّ. تتضح الخطوط وتتضبّب الوجوه وتختفي معالمها وتصير ظلالًا خلف ظلال. هو الإنسان “طيف” لا زمان له ولا مكان. كأنها الأرواح تظهر لا الأجساد. عذاباتها لا حدودها. تحوّلاتها الجوّانية لا أشكالها الخارجيّة. وجوه تراوح بين قسوة في الخطوط وقسوة في المحو. قوى خارجية تترك أثرها في الإنسان وجسده وروحه ووجهه وقلبه وشكله. سيرورات تُفضي به إلى غياب الحضور ـ إذا صحّ التعبير.

لا سيماء لشخصيات أيمن الحلبي ولا تفاصيل ولا خطوط واضحة للوجوه التي تُطالعنا من الأعمال الصغيرة والكبيرة. ومع هذا، فهي مثار تعاطف منّا يلغي المسافة بيننا وبينها. نألفها كأننا نعرف هوية الذين وراءها ونحبّهم ونستكمل سيماء وجوههم. سنطرح عليهم التحيّة في أقلّ تقدير ونتبادل معهم الكلام والسلام. هي وجوه غامضة تعزّز فينا حبّ الاستطلاع والمعرفة والدهشة. فنحفر في طبقات اللون لعلّنا نتعرّف على أسرارها وعوالمها. قد يكون الغموض والسيولة وعدم وضوح المعالم مساحات تستدعي التأويل والحوار مع موضوعات الأعمال. والحوار هنا هو انتقال الرائي من موقعه خارج اللوحة إلى المشاركة في تأويلها أو محاورة الوجه الظاهر فيها بُغية الحديث والاستفسار. والوجوه في أعمال الحلبي كريمة سمِحة رغم “تيهها” في اللون والخطوط. تضحك لنا من وراء الحُجب أو تردّ على أسئلتنا بكلام موارب يومِئ ولا يُحدّد، يوحي ولا يُفصح كأننا أمام المجاز الخالص لحالة وجودية يعيشها الفنان يومًا يومًا وساعةً ساعةً في مكانه المُحاصر الذي تقطعه الحدود الجغرافية والمادية والسياسيّة. تقطيع ينعكس على صفحة الحياة وامتداداتها وأشكالها اللانهائيّة. إنه “التشويه” الذي تُحدثه الحرب فينا وفي واقعنا وحياتنا ومشاعرنا وأفكارنا على ما فيها من مساحات وتمثيلات.

بمعنى ما فإن الفنان أيمن الحلبي يكرّس أعماله لتفكيك الحالة الحدّية كما تطورت في واقعه وشرطه. وهو يبدأ هذا التفكيك من الإنسان وحالته الوجودية وما يحفّ بها من أفكار واحتمالات. فوجوه أيمن مفتوحة لاحتمالات لا نهائيّة كلّما جئنا لقراءتها
*جاليري كلمات في استنبول لصاحبها ومؤسسها عدنان الأحمد. بدأت كمشروع ثقافي يصل الفن العربيّ بالفن العالميّ وظلّت من أبرز المشاريع الثقافية في مدينة حلب لسنوات طويلة. انتقلت إلى استنبول بعد تدمير حاضرة حلب.

أو أنها مُوحية بحالات عديدة يعيشها الإنسان الحدّيّ. وهي حالات مُنهكة أحيانًا كأن لا يستطيع الفنان أن يُشارك في افتتاح معرض لأعماله ـ وهي حالة أيمن مع معرضه الأخير في استنبول. وهي حالات متطلّبة كأن لا يستطيع الفنان الفكاك من أسر الإلحاح الوجوديّ المتمثّل في الشرط الذي يُحيط به من كلّ جانب كأنه أسيجة متراصة يخترق واحدا ليجد التالي في انتظاره. حالة من إلحاح الشرط تصير حالة من إلحاح السؤال على القلب والعقل والروح وعلى العمل الفنيّ. ومن هنا يُمكننا تفسير “إخلاص” أيمن لوجوهه المتعدّدة ووجوه أهله وناسه وأبناء حارته وبلدته ومجتمعه. إنه يرسم وجوههم على معانيها وهمومها ومشاعرها وآلامها وعلى حياتها التي قطّعتها الحروب إربًا ورمت بها في مناطق جغرافية تحاصر بعضها بعضا وتجعل من الجميع عُرضة للهموم والمعاناة ذاتها.

بل هو “مُخلص”، أيضًا، لألوانه وتقنياته كأن وجوهه كلّها ولدت متتالية في الورشة ذاتها وإن اختلفت مواضيعها. في مستوى ما من تأمّلي للوحات أيمن الحلبي يُعييني السؤال ما إذا كان الحالة الحدّية الناجمة من حالة حرب وتوتّر دائم وسيولة في شحنة الحياة قادرة على تشويه الحياة والنفس البشريّة وإنهاكها، وإلى أي مدى يستطيع الإنسان ـ الفرد والجماعة ـ أن يُقاوم ويفكّ أسر الحالة والانطلاق؟ وهو السؤال الذي يُجيب عليه أيمن الحلبي بالرسم بوجوهه الثابتة وتلك المتحرّكة، بألوانه السائلة التي تتشكّل عنده على الدوام من اختلاط وتشابك واستلقاء لون على لون تمثيلًا لطبقات الحالة الوجودية التي يستلقي فيها مكان فوق مكان وحدود فوق حدود.

إن الرسالة الجماليّة عند أيمن الحلبي واضحة وربّما هي بالذات التي تعينه على مقاومة الحالة والتوتّر الذي يعيشه ومجتمعه في واقع احتلال مقطوع عن سُرّة الوطن ودفئه. و”الجماليّ” عند أيمن لا يُترجم في أعمال الرسم واللوحات فحسب، بل في أعماله المعماريّة التشكيلية في البيوت والمحلّات العامة. في تزيين شباك مفتوح على الشرق بالزجاج الملوّن والخشب. في إنتاج طاولات مزخرفة. وفي زخرفة سقوف وجدران والرسم عليها لوحات بمقاييس غير اعتيادية. كلّها مهارات أتقنها وهو في دمشق يدرس في كلّية الفنون ومارسها في حياته بعد عودته إلى بلدته مجدل شمس على خاصرة الوطن السليب في هضبة الجولان، جنوب الوطن. والجماليّ البسيط المُفرح موجود في لوحات كرّسها للطبيعة وجمالياتها لا سيّما في محيط بيته ومنطقته. قطعة سماء على الأرض. جنّة من خضرة وماء ومواسم وثمار. هذه البقعة من الجنّة، انعكست هي، أيضًا، في أعماله التي يواصل أيمن إنتاجها وتسويقها إلّا أنه يرفض اعتبارها من أعماله المعتمدة على اعتبار أنها جمالية جارية وليست من صلب فنّه “المتعوب عليه” الذي يمثّله كما قال بشكل فلسفيّ أعمق يتناسب مع حالة حدّية متطرّفة بعض الشيء. فهو يعيش في بلاد هي وطنه لكنها تحت سيادة المحتلّ الإسرائيلي. هو مواطن في أرض تحاول سيادة المحتلّ تغريبه فيها. وهي غربة أصعب بكثير من غربة المنافي. أن تعيش منفيًّا في وطنك بأيدي الغريب. أن تكون حرية التنقّل مرهونة به وبمزاجه. أن تكون معيشتك واقعة تحت تأثيراته وتدخلاته. وأن تظلّ مخلصًا لمنشئِك، لعقيدتك ووطنك الغائب المنهار ولفنّك وروايتك، لذاتك وللكون.

أبطال أيمن في لوحاته معذبّون يختبئون وراء وجوههم وأجسادهم. يحملون السيولة والشرط القاسي معهم أينما حلّوا. في استنبول كما في الجليل والجولان وباريس ودمشق والقاهرة. ويحملهم أيمن في قلبه وجسده وريشته حيثما حطّت قدمه وحلّقت روحه الشفيفة. حملهم بإخلاص وحنوّ وأوصلهم إلى آخر الكون. وآن له، وهو المبدع المحترف، أن يحمل المعاني الأخرى للوجود الإنساني ويفتح قماشه لها كي تحضر وتعيش كما عاشت وجوهه أبعد من حدودها وأماكنها.

ليس صدفة أن يكتب الناقد السوريّ المرموق، أسعد عرابي، عن معرض أيمن الحلبي الأخير في استنبول أنه علامة فارقة في الفن السوريّ وأنه فاتحة لمنهج فنيّ جديد لا سيّما في مستوى المحصّلة النهائية للعمل أو لسلسلة الأعمال أو للمرئيّ بصيغته المعروضة. ولأني أعرف أيمن عن قُرب وأتابع عمله ومشروعه ومشاريع زملاء له من الفنان السوريين أستطيع التصديق على كلام عرابي، وأن أضيف عليه. نحن حيال فنان حالت الحدود والشروط السياسيّة دون وصوله إلى حيث يستحقّ مشروعه الفنيّ الجماليّ الفلسفيّ. فهو يمتلك كلّ مقومات المُبدع المُقتدر الذي يملك يدين من ذهب وروح شاعر شفيفة وقُدرة على الخلق والتكوين وإخلاص للجوهر البشريّ.

مرزوق الحلبي – فلسطين ـ شباط 2024

+ -
.