
تْسَحي هَنِغْبي * (نشر على موقعY-net. ترجمه للعربية نبيه عويدات)
على عكس لبنان الذي لا يزال ضعيفاً بحيث لا يمكنه نزع سلاح حزب الله، فإن المصالح المشتركة بين إسرائيل والنظام الجديد في سوريا أكثر من أن تفصل بينهما. لذلك، هذه هي الساحة التي يجب أن نضعها في مقدمة العمل السياسي.
في صميم جدول أعمالنا السياسي والأمني توجد تطورات مهمة في ساحتين: في غزة، انطلقت المرحلة الثانية من خطة “النقاط العشرين” التي أطلقها رئيس الولايات المتحدة؛ وفي إيران، بدأت مرحلة الانتظار التي تتسم بعدم اليقين بشأن مستقبل الاحتجاجات وسياسة الرئيس ترامب.
في كلتا الساحتين، قدرة إسرائيل على تشكيل الأحداث محدودة. لذلك أقترح البدء في خطوة سياسية في ساحة أخرى، وهي الساحة السورية، من أجل التوصل بسرعة إلى اتفاق أمني شامل بين إسرائيل وسوريا.
الاتفاق السابق مع سوريا – “اتفاق فصل القوات” الذي وُقع عام 1974 بعد حرب يوم الغفران – دام 50 عاماً، أكثر من أي اتفاق آخر مع دولة عربية، وذلك رغم التحديات العديدة التي هددت سريانه. انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 أنهى عملياً هذا الاتفاق. وفي ضوء التوجيه السياسي، نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية “سهم الباشان”، بسرعة وحزم، وسيطر على مناطق دخل الحدود السورية مع هضبة الجولان بما فيها قمة جبل الشيخ. وبالتوازي، شنت إسرائيل ضربات واسعة النطاق في أنحاء سوريا لتدمير مخزون الأسلحة الاستراتيجية ومنع سقوطها في يد النظام الجديد.
خلال الفترة الماضية، سعت إسرائيل للتقدم في الساحة الشمالية بهدفين سياسيين طموحين: الأول، الاستفادة من اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع في نوفمبر 2024 لتعزيز انضمام لبنان لعملية التطبيع والسلام؛ والثاني في سوريا، وضع خطة من مرحلتين تبدأ بتنظيم الشروط الأمنية على الحدود المشتركة، وتستمر بانضمام سوريا إلى اتفاقات أبراهام.
دون تدخل أمريكي حازم، لا يمكن إحراز تقدم على هذين المحورين، وقد عيّن بالفعل رئيس الولايات المتحدة سفيره في تركيا، توم باراك، كمبعوث شخصي لدفع هذه الرؤية. أظهر السفير باراك جدية ومبادرة وبذل جهداً كبيراً، بينما يعمل الوزير رون دارمر معه كفريق واحد لمحاولة حل النزاعات مع لبنان وسوريا على حد سواء. إلا أن النتائج حتى الآن تظهر صورة معقدة. في لبنان، يظهر الرئيس ميشال عون كقائد ملتزم بمستقبل بلاده وليس بالمصالح الأجنبية، خصوصاً الإيرانية، التي أوصلتها إلى شفا الدمار. لكن رغم حسن نواياه، فشل عون في تطبيق البند الأساسي في الاتفاق مع إسرائيل: نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان. هناك أسباب عديدة لذلك، وأهمها الضعف الأساسي للجيش اللبناني وخوف عون وحكومته من الانزلاق نحو حرب أهلية. ورغم أن حزب الله تكبد ضربات موجعة خلال سنة القتال مع إسرائيل، مما دفعه لتجنب الرد على المئات من عمليات الإحباط والضربات الإسرائيلية المكثفة ضمن سياسة فرض الالتزام بالاتفاق بالقوة، إلا أن التنظيم الإرهابي الشيعي، بفضل تفوقه العسكري الواضح، يردع خصومه عن اتخاذ خطوات سياسية رائدة. والنتيجة أنه لا يوجد أي تقدم عملي في الحوار الثلاثي بقيادة الولايات المتحدة حول قضايا الخلاف على الحدود بين إسرائيل ولبنان؛ وقد أكدت إسرائيل أن استعدادها للدفاع في جنوب لبنان لن يتغير طالما يشكل حزب الله تهديداً لسكان الشمال، ويبدو أن التصعيد في الصراع أكثر واقعية الآن من الوصول إلى تفاهمات.
الساحة السورية تبدو واعدة أكثر في نظري
منذ وقت، كما نُشر، يُجرى حوار سياسي مستمر بين إسرائيل والنظام الجديد في سوريا. وقد تشرفت بالمشاركة فيه، وانطباعي أن المصالح المشتركة أكثر من أن تفصل بيننا. أحمد الشرع، رئيس سوريا، ربط مصير بلاده بالولايات المتحدة والغرب. وفي العالم العربي، هو شريك في المحور السني المعتدل بقيادة السعودية. الكراهية لدى القيادة السورية الحالية تجاه إيران وحزب الله عميقة وأصيلة. ومن خلال حوارت حميمة أجريتها مع كبار المسؤولين السوريين، اقتنعت بأنه يمكن إيجاد حلول عملية لكل مبدأ مهم يجب أن تصر إسرائيل على تحقيقه. هناك ثلاثة أمور أساسية: التزامنا بحماية أبناء الطائفة الدرزية المقيمين قرب حدودنا مع سوريا؛ الحاجة لمنع تمركز قوات معادية لإسرائيل في مناطق تهدد حرية تحركنا في ساحات بعيدة؛ وضمان نزع السلاح من جنوب سوريا كجزء من مفهوم الدفاع عن مستوطنات هضبة الجولان.
كجزء من مهمتي كرئيس لمجلس الأمن القومي، أجريت سلسلة لقاءات سرية بشأن سوريا. الخوف الرئيسي لإسرائيل هو أن تصبح سوريا دولة تابعة على حدودنا الشمالية. ونظراً للخطاب التصعيدي للرئيس التركي أردوغان، هذا الخوف ليس غير مبرر. ومع ذلك، الطريقة الأكثر فعالية لإحباط هذا السيناريو هي تعظيم المكاسب المحتملة لسوريا من الانخراط في مبادرة ترامب للسلام في الشرق الأوسط ومن التعاون مع إسرائيل. هذه كانت ولا تزال الاستراتيجية الأمريكية، إلا أن البيت الأبيض لم يطلب أي مقابل لدعم النظام الجديد. وقد التقى ترامب بأحمد الشرع بوساطة سعودية، وألغى العقوبات التي شلّت الاقتصاد السوري. وبدون أدوات ضغط أمريكية، أصبح من الصعب إيجاد نقطة توازن بين مصالح إسرائيل وسوريا، لكنها ليست مستحيلة.
سوريا لا تثير قضية سيادة إسرائيل على هضبة الجولان فيما يتعلق بترتيبات الأمن على الحدود، لا لعدم وجود أي احتمال لذلك فحسب، بل أيضاً لأن إدارة ترامب تدعم هذه السيادة دون أي قيد. ومع ذلك، من المرجح أن يطالب السوريون في المفاوضات لتحديد ترتيبات أمنية جديدة بانسحاب إسرائيلي من المناطق الجديدة التي نشر فيها الجيش الإسرائيلي قواته للدفاع في أواخر 2024. يمكن حل هذه القضية من خلال تحديد نقطة التوازن المثلى بين الوجود الإسرائيلي في الأراضي السورية وبين تنفيذ خطوات تضمن مصالح إسرائيل الأمنية الحيوية. وستزيد الأنشطة الحازمة والمستمرة والفعالة لقوات النظام السوري لمكافحة أنشطة إيران وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي في أنحاء سوريا، بالتوازي مع نزع السلاح الكامل من المنطقة جنوب دمشق، بشكل يترك مرونة في العمل لإسرائيل.
لقد حددت الحكومة احتلال الجيش الإسرائيلي للمناطق القريبة من الحدود كخطوة مؤقتة تهدف إلى حماية مصالح أمنية حيوية. إذا تم الحفاظ على هذه المصالح، سيفتح الباب لتفاهمات إبداعية. حتى في اتفاق السلام مع مصر، أصرت إسرائيل على أن يتم تنفيذ الانسحاب من شبه جزيرة سيناء على مدى ثلاث سنوات، خلالها كان على مصر تنفيذ بنود جوهرية في الاتفاق، مثل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتبادل السفراء. هذا نموذج أثبت نجاحه ويمكن مناقشته في الحوار مع الولايات المتحدة وسوريا.
خلاصة: يمكن وضع هدف “سوريا أولاً” في مقدمة العمل السياسي لإسرائيل. للزمن أهمية قصوى. دخلنا سنة انتخابية، وستتسارع الاعتبارات السياسية على طول الطريق وتطغى على الاعتبارات الموضوعية. يمكن إغلاق ساحة مفتوحة، ونجاح ذلك سيعمل كمحفز إيجابي في الساحات الأخرى.
- تْسَحي هَنِغْبي: شغل منصب رئيس مجلس الأمن القومي ومستشار الأمن القومي في إسرائيل حتى أكتوبر 2025


































