
عزت مداح
قبل ما يقارب الأربعين يوماً، دخلت حانوتاً لأشتري حاجة معيّنة، أول حرف من اسمها «سجائر»، وأقول ذلك خجلاً، كوني مدخناً. وقفت أنتظر دوري، الذي تأخر قليلاً، مع العلم أنه كان أمامي زبون واحد، طفل واحد لا يتجاوز عمره ثماني سنوات، يناقش البائعة بهدوء ويستعمل بعض وسائل الإقناع بتقاسيم وجهه وحركة يديه، ويهز رأسه وشعره. أحسست أن الحوار لبق وراقٍ جداً، ولا يحتاج إلى أي تدخل خارجي، كالمعتاد في أيامنا هذه.
وبحكم الفضول، اقتربت من المتحاورين قليلاً، وسمعت الحوار كاملاً وبكل تفاصيله. الطفل لم يتجاوز عمره ثماني سنوات. تبيّن أنه اشترى حاجته قبل بضع دقائق وغادر الحانوت، ثم عاد مستعجلاً لأنه اكتشف خطأً ما في الحساب. فكان نقاشه مع البائعة أنها أعادت له، عن طريق الخطأ، مبلغاً أكثر مما يستحقه. وبعد شرح وحوار بين الطرفين، أقنع الطفل الفتاة، وبدقة الأرقام والجمع والطرح، أنها هي المخطئة، وأنها أعادت له مبلغاً أكثر مما يستحقه. المبلغ جداً بسيط، والموقف يساوي وزنهما ذهباً، طبعاً بدون وزني أنا.
من فرط إعجابي بالموقف، لم أسأل الطفل عن اسمه، ولا ابن من، ولا عن عمره. فقط أخذت حاجتي وخرجت مسرعاً، حيث كانت في الجوار مباراة كرة قدم، وكل الأماكن مزدحمة.
بعد أن ابتعدت قليلاً عن المكان، ولا يزال ذهني بهذا الموقف الجميل، قررت العودة لأتعرف على الطفل. بحثت عنه بين جمهور المتفرجين فلم أجده. دخلت الحانوت وسألت البائعة عن اسمها، فأجابت بكل أدب واحترام. سألتها عن اسم الطفل الذي عاد ليصلح الخطأ الذي حدث، فأجابت بالنفي، وأبدت أيضاً إعجابها بالموقف، ووعدتني أنه إذا عاد ستسأله عن اسمه. وخرجت فرحاً، وكأن كنزاً هبط لي من شجرة محبة.
أريد أن أقول إن هذا الطفل هو الثروة الكبرى، هو الأخلاق التي تربّى عليها، هو البيت الذي أتى منه، هو الأم والأب. هو الطفل الذي أراد أن يعيد الحق لأصحابه. ومنذ ذلك الوقت، أخذت أدقق في وجوه الأطفال، وبوجه كل طفل كنت أرى ذاك الوجه الوفي من بلدي.
والبارحة، 13-9-26، ذهبت لأمارس رياضة المشي. كان الوقت متأخراً في المساء، واجتاحت العتمة الشارع الذي أسير عليه، مخالفاً لقوانين الأمانة، لأني لم أرتدِ بلوزة عاكسة للضوء ليلاً.
فتوقفَت بجانبي سيارة، وفيها شابان، قالا: «مساء الخير يا عم». فهمت أنني أنا العم، لأنه لم يكن أحد غيري في المكان. أجبت: «مساء النور يا شباب».
قالا معاً، وبعتب محبة: «بصعوبة استطعنا أن نراك في هذه العتمة، فنرجوك أن تكن حذراً لأجل سلامتك من أي حادث».
وذهبوا هم، وأنا لا يزال قلبي معهم، مليئاً بالأمل بأجيال مليئة بالمحبة.
أحبتي، ألا تعتقدون أن نشر هذه الفضائل واجب اجتماعي وضروري؟



























