«فيفا»… واقع مخيف… ومستقبل مجهول

بعد أن دخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في الفوضى الشاملة مع إيقاف رئيسه السويسري جوزيف بلاتر ورئيس الاتحاد الأوروبي الفرنسي ميشال بلاتيني موقتاً مدة 90 يوماً، تُطرح أسئلة عدة حول المستقبل أبرزها موعد الانتخابات الرئاسية التي تم تأجيلها، وحول من بإمكانه تنظيف السلطة الكروية العليا من الفساد المتجذر فيها؟ وسيتولى رئيس الاتحاد الأفريقي ونائب رئيس «فيفا» الكاميروني عيسى حياتو مهمة الرئيس بالوكالة حتى موعد انتخاب رئيس جديد.

ويبدو أن حياتو نفسه غير واثق من إمكان انتخاب رئيس في الموعد المحدد للجمعية العمومية الاستثنائية، وقال لراديو فرنسا الدولي «أر إف أي»: «كل شيء مرتبط بلجنة الإصلاحات التي ستجتمع قريباً. إذا كانت الفترة الزمنية قصيرة لأجل تحقيق الإصلاحات اللازمة قبل الانتخابات، فيجب أن يتقدموا باقتراحات. إذا ارتأت بأن المهلة الزمنية قصيرة، فهي تملك صلاحية القول لم نحصل على الوقت الكافي لتحقيق الإصلاحات، وعلى الأرجح أن هناك حاجة إلى التمديد»، كان ذلك قبل إعلان لجنة الإصلاحات أمس تأجيل موعد الانتخابات. ومع إيقاف بلاتر وبلاتيني الذي كان يُنظر له كأبرز المرشحين لخلافة السويسري، يبدو أن هيكل «فيفا» بدأ ينهار على أبرز رموزه بسبب تُهم الفساد والرشاوى وآخرها «الدفع غير المشروع» لمبلغ مليوني فرنك سويسري حصل عليها بلاتيني من «فيفا» عام 2011. واستمع القضاء السويسري إلى بلاتر بصفته متهماً وبلاتيني شاهداً أواخر الشهر الماضي في هذه القضية، ثم توصلت لجنة الأخلاقيات المستقلة في «فيفا» إلى قرار إيقاف الرجلين موقتاً مدة 90 يوماً عن ممارسة أي نشاط يتعلق بكرة القدم على الصعيدين المحلي والدولي. كما قرّرت اللجنة إيقاف المرشح لرئاسة «فيفا» الكوري الجنوبي مونغ جوون تشونغ ستة أعوام، والأمين العام السابق لـ«فيفا» الفرنسي جيروم فالك مدة 90 يوماً أيضاً.

ويتواصل بالتالي مسلسل فضائح الفساد، الذي يزلزل «فيفا» منذ أواخر أيار (مايو) الماضي، بعد أن ألقت السلطات السويسرية بناءً على طلب القضاء الأميركي القبض على عدد من المسؤولين، واتهمت مسؤولين آخرين من أعضاء حاليين وسابقين في «فيفا» وشركاء في شركات للتسويق الرياضي بتهم الفساد وتبييض الأموال. وتشتبه وزارة العدل السويسرية بأن بلاتر وقّع عقداً (لمنح حقوق نقل مونديالي 2010 و2014) ليس في مصلحة «فيفا» مع الاتحاد الكاريبي للعبة، عندما كان الترينيدادي جاك وارنر رئيساً له. وبالنسبة إلى المدعي العام السويسري هناك أيضاً شك خلال تنفيذ الاتفاق بأن يكون بلاتر تصرّف بطريقة لا تخدم مصالح «فيفا» منتهكاً بذلك واجباته الإدارية. وفي شأن بلاتيني، ففي حين أن لجنة الأخلاق اعتبرت ترشيحه لرئاسة الاتحاد الدولي لم يبطل تلقائياً على رغم إيقافه موقتاً، إذ قال المتحدث باسمها أندرياس بانتل: «إن هذه المسألة (ترشيح بلاتيني) ليست من مهمة لجنة الأخلاق، بل من صلاحيات لجنة الانتخابات في فيفا المعنية بدراسة صلاحية الترشيح»، فإن سمعة النجم الفرنسي السابق باتت على المحك وإن خلافة بلاتر تحولت إلى كابوس بعد أن كان يُنظر إليه أبرز المرشحين للمنصب.

واستمع القضاء السويسري إلى بلاتيني حول حصوله على المستحقات المتأخرة من «فيفا» في عام 2011 لقاء عمل قام به بصفته مستشاراً لبلاتر بين عامي 1999 و2002، ولم يُقنع تبريره بأنه لم يُطالب بهذا المبلغ فور انتهاء مهمته لأن «فيفا» كان يمر بظروف مالية صعبة في نهاية 2002 بعد إفلاس الشريك التسويقي للاتحاد الدولي شركة «إي إس إل». وفي ظل الوضع المحرج لبلاتيني وإيقاف تشونغ لستة أعوام لاتهامه بأنه حاول في نهاية 2010 ترجيح كفة التصويت لمصلحة بلاده في حملة استضافة كأس العالم 2022، يُطرح السؤال في شأن المرشحين المحتملين لخلافة بلاتر. وتقدّم حتى الآن إلى المنصب الأمير الأردني علي بن الحسين، الذي كان منافس بلاتر الوحيد في انتخابات أيار (مايو) الماضي، والنجم البرازيلي السابق زيكو ورئيس الاتحاد الليبيري موسى بيليتي، إضافة إلى اللاعب الدولي الترينيدادي السابق دافيد ناكيد. ومن المحتمل أن يكون هناك أيضاً الجنوب أفريقي طوكيو سيكسويل، الذي عُيّن أخيراً رئيساً للجنة «فيفا» لمراقبة الوضع الكروي بين إسرائيل وفلسطين. وأعرب أسطورة كرة القدم الألمانية «القيصر» فرانتس بكنباور منذ أيام عن دعمه للمناضل سيكسويل كمرشح محتمل للرئاسة، مشيراً إلى أنه بإمكان رجل الأعمال والمعتقل السياسي السابق الاعتماد على دعم الاتحاد الألماني.

ويعتبر سيكسويل من المعارضين لبلاتر وطريقة إدارته للسلطة الكروية العليا، التي تمر بالأزمة الأكثر خطورة في تاريخها منذ اعتقال سبعة مسؤولين حاليين وسابقين وتوجيه الاتهام إلى 14 شخصاً آخرين بطلب من القضاء الأميركي بتهم فساد ورشاوى وابتزاز وتبييض أموال. ويبدو أن شخصاً حيادياً مثل سيكسويل يُجسّد رؤية اللجنة الأولمبية الدولية بالنسبة لمستقبل كرة القدم، إذ طالبت أول من أمس (الخميس) بـ«مرشّح موثوق من خارج عالم كرة القدم وعالي النزاهة» لترشيح نفسه للرئاسة.

وقال رئيس اللجنة الأولمبية الدولية الألماني توماس باخ في بيان: «فيفا يجب أن يكون مفتوحاً على مرشح خارجي موثوق وعالي النزاهة، كي يقوم بالإصلاحات الضرورية ويعيد الاستقرار والنزاهة إلى المنظّمة». ويبدو أن بلاتر لا يستسلم على الإطلاق، ولن يرضى حتى بالإيقاف الموقت وليس «المؤبد»، إذ تقدّم بطلب استئناف العقوبة الصادرة عن لجنة الأخلاقيات المستقلّة في «فيفا» بحسب ما كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية أمس. وأشارت الصحيفة إلى أن بلاتر الذي يترأس «فيفا» منذ 1998، تذمّر في رسالة الاستئناف التي أرسلها إلى رئيس غرفة التحكيم في لجنة الأخلاقيات المستقلة القاضي الألماني هانتس يواكيم إيكرت، من معرفته بقرار إيقافه بعد إعلانه، وذلك بحسب الصحيفة. وطالب بلاتر بأن يستمع إليه لكي يعرض كامل تفاصيل القضية أمام لجنة الأخلاقيات، ونقلت «نيويورك تايمز» عن شخص مقرب من السويسري بأن الأخير علِم بقرار إيقافه بعد أن نُشر في وسائل الإعلام. وفي ظل إيقاف بلاتر تتجه الأنظار إلى حياتو لأجل إدارة السلطة الكروية العليا في هذه الفترة الحرجة، لكن الوضع الصحي لرئيس الاتحاد الأفريقي غير مطمئن وهو مازال في بلاده حتى الآن لأجل الخضوع لغسيل الكلى بحسب ما كشف لراديو فرنسا الدولي، وهذه العملية تُجرى عادة للأشخاص الذين يعانون من فشل كلوي. ويبقى معرفة موقف رؤساء الاتحادات الـ54 المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي في الاجتماع الذي حُدِّد (الخميس) المقبل بمقر الأخير في مدينة نيون السويسرية لأجل التطرق إلى الأزمة الحالية.

+ -
.