
مع كلّ نهاية عام دراسي أُنصتُ باهتمامٍ إلى حديث أوائل البجروت في بلدنا. وأنتظر، في كلِّ مرّة، ذلك السؤال البسيط الذي يبدو عابرًا، بينما يختزن صورةَ مستقبلِ مجتمعٍ بأسره: «ماذا تريد أن تكون؟»
وتأتي الإجابة، في الغالب، متشابهةً إلى حدٍّ يدعو إلى التأمّل: طبيبًا… أو مهندسًا.
وليس ما يُحزنني هو الطبُّ أو الهندسة؛ فهما من أنبل المهن، ولا ينهض مجتمعٌ من غير أطبّائه ومهندسيه. إنّما يُحزنني أن يكون أقصى ما يتّسع له خيالُ أكثر شبابنا تفوّقًا هو وظيفةٌ مرموقة، ومسارٌ مهنيٌّ ناجح. فإذا كان أقصى ما يحمله أوائل البجروت هو حلمُ وظيفة، فمن يحمل الأحلام التي تُغيّر وجه المجتمع؟
الحُلْم ليس أمنيةً عابرة، ولا رغبةً في دخلٍ كريم أو مستقبلٍ آمن. الحُلْم هو الفكرة التي تسبق الواقع، والصورة التي تجرّ الإنسان إلى الأمام، والنداء الخفيّ الذي يجعله يرى نفسه جزءًا من تاريخٍ لم يُكتب بعد. أن يبلغ الشابُّ الثامنة عشرة وهو يؤمن بأنّ حياته قد تُضيف سطرًا إلى كتاب العلم، أو الفكر، أو الأدب، أو العدالة، أو الإنسانية؛ تلك هي بداية الحُلْم الحقيقي.
غير أنّنا، في مؤسّسات التنشئة، أتقنّا تعليم أبنائنا كيف ينجحون، ولم نتقن تعليمهم كيف يحلمون. نُكافئ الحفظ أكثر ممّا نُكافئ الخيال، ونُثيب الامتثال أكثر ممّا نُثيب الجرأة، ونُربّي الطفل على الخوف من الخطأ قبل أن نُربّيه على شجاعة المحاولة. ثمّ نستغرب حين يبلغ لحظة الاختيار فلا يجد في ذاكرته سوى صورتين جاهزتين: طبيب… أو مهندس.
وحين نتأمّل المجتمعات التي أنجبت كبار العلماء والمبدعين والمخترعين، نكتشف أنّ سرَّها لا يبدأ في المختبرات ولا في الجامعات، بل في الطفولة. هناك يتعلّم الطفل، منذ سنواته الأولى، أنّ الحياة ليست طريقًا إلى وظيفةٍ فحسب، بل إلى رسالة؛ وأنّ السؤال الأهم ليس: «كيف سأعيش؟»، بل: «ماذا سأضيف إلى العالم؟».
الفارق، في تقديري، ليس في الذكاء، ولا في المواهب، ولا حتى في الموارد. فأبناؤنا لا يقلّون قدرةً عن غيرهم. الفارق أعمق من ذلك؛ إنّه في المناخ الثقافي الذي ينشأ فيه الطفل. هناك يُحتفى بمن يجرؤ على تخيّل ما لم يتخيّله الآخرون، ويُنظر إلى الحُلْم بوصفه بداية الإنجاز. أمّا عندنا، فكثيرًا ما نُعلّم أبناءنا الواقعيّة قبل أن نمنحهم حقَّ الخيال، فنقصُّ أجنحة الحُلْم باسم الحكمة، ونُطفئ جذوة المغامرة باسم العقل.
ولأنّ الحُلْم الفردي لا يزدهر إلّا في ظلِّ حُلْمٍ جماعي، فإنّ المجتمعات الكبرى لا تُنتج العلماء والمبدعين وحدهم، بل تُنتج، قبل ذلك، سرديّةً كبرى تُقنع أبناءها بأنّ المستقبل ما يزال قابلًا للاكتشاف، وأنّ الغد يمكن أن يكون أفضل من الأمس. فكلُّ إنجازٍ عظيم بدأ، في لحظةٍ ما، بفكرةٍ بدت مستحيلة.
وليست الحاجة إلى الحُلْم طارئةً في تاريخ الإنسان؛ بل هي قديمةٌ قِدَم الحضارة نفسها. ففي ملحمة جلجامش، أقدم أثرٍ أدبيٍّ وصل إلينا، يصعد جلجامش بصديقه أنكيدو إلى جبل آلهة الأحلام، ويتضرّع قائلًا: «يا آلهةَ الحُلْم، امنحي صديقي أنكيدو حُلْمًا كي يُشفى.» وكأنّ الإنسان أدرك، منذ فجر التاريخ، أنّ الروح لا تشفى بالخبز وحده، بل بما يمنحها معنًى وأفقًا.
إنّ أخطر ما قد يُصيب مجتمعًا ليس الفقر، ولا قلّة الموارد، بل ضمور الخيال. فحين يفقد الشباب القدرة على أن يحلموا، يكتفون بالبحث عن مكانٍ صغير داخل عالمٍ صنعه غيرهم، بدل أن يفكّروا في المشاركة في صنع عالمٍ جديد.
غير أنّ الروح الإنسانيّة لا تعرف الفراغ. فإذا حُرم الإنسان من الحُلْم النبيل، بحث عن أيِّ حُلْمٍ آخر، مهما كان زائفًا. وهنا تتسلّل الأحلام المسمومة؛ أحلامُ التطرّف التي تعد بالخلاص عبر الخراب، وأوهامُ العدميّة التي تُلبس اليأس ثوب الحكمة، وسرديّاتُ الكراهية التي تمنح أصحابها شعورًا زائفًا بالعظمة والانتماء.
إنّ قوى الخراب لا تُجنّد العقول بقدر ما تُجنّد الأحلام. فهي تُقدّم للشابّ قصّةً يشعر داخلها بأنّه بطل، وأنّ لحياته غاية، ولو كانت تلك الغاية طريقًا إلى الهلاك. ولذلك فإنّ أفضل ما يمكن أن نهبه أبناءنا ليس مستقبلًا مضمونًا، بل حُلْمًا نبيلًا يستحقّ أن يعيشوا من أجله.
فالبلاد لا تُبنى بالشهادات وحدها، ولا تُحرس بالقوانين وحدها، ولا تتقدّم بالوظائف وحدها. إنّها تُبنى، قبل ذلك كلّه، بأطفالٍ تعلّموا أن يتخيّلوا ما لم يره أحد، وبشبابٍ آمنوا بأنّ دورهم لا يقتصر على أن يجدوا مكانًا في العالم، بل أن يتركوا فيه أثرًا.
ولعلّ السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أبنائنا ليس: «ماذا تريد أن تكون؟»، بل: «أيُّ أثرٍ تريد أن تتركه في هذا العالم؟». فالأوّل يبحث عن مكانٍ في المجتمع، أمّا الثاني فيبحث عن دورٍ في صناعة المجتمع. وبين السؤالين يبدأ الفرق بين من يعيش التاريخ… ومن يصنعه.

































