
بقلم الشيخ عاطف شعلان
بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
والحمد لله الّذي قسَّم البَرِيَّة كما شاء، وانفرد بكماله عن كلّ مقام، وصلّى الله على الّذي جعله يكتب مقادير كلّ شيء إلى يوم القيامة.
قال الحكيم: “نحن نُخلِّد الحياة بفنائنا، وهي تُفنينا بخلودها، وكلّنا في حضن الأنوار اللّاهوتيّة والبقاء الأوحد”.
فالمرء، أيّها الإخوة، ينام ويصحو، إلّا أنّ آثامه وذكرياته لا تنام. وفي ذكرى سيّدنا الشّيخ الفاضل الأمين، الشّيخ أبي يوسف أمين طريف، المغفور له بإذن الله، سيّد العشيرة وشيخ الجزيرة — رحمه الله، ورضي عنه وأرضاه، وطيَّب ثراه — نستحضر سيرة شيخٍ مكرَّمٍ مُمجَّد.
فهذه البلاد ربَّت الأفاضل والقدّيسين من أصحاب الرُّتَب العالية، إلى أن بلغت هذه المسيرة آل تراب وقرية جولس العامرة، وشكَّلت ظاهرةً تاريخيّةً ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمظاهر الولاية والصّلاح لدى الشّعوب والثّقافات والأوطان منذ الكشف الأقدس. ومن أعلام هذه المسيرة سيّدنا أبو السّرايا وإخوته في تلك الحقبة، وسيّدنا الشّيخ عليّ الفارس، وصولًا إلى شيخنا الجليل الفاضل، الشّيخ أمين؛ فكانت أساسًا للتّرقّي في مراتب الولاية والكرامة، وقد مثَّلها في هذا العصر الشّيخ أمين بكلّ مقوّماتها الرّوحيّة والاجتماعيّة.
فتلك المقامات لا يبلغها إلّا المقبولون، وهذا حَرَمٌ لا يدخله إلّا المخصوصون، وهذا بابٌ لا يقرعه إلّا المتّقون، وهذا غِناءٌ لا يَطْرَب له إلّا العاشقون، وهذا بساطٌ لا يطأه إلّا المقرَّبون، وهذا سرٌّ لا يفهمه إلّا أهل البصيرة، وهذا شرابٌ لا يذوقه إلّا العارفون، وهذا تاجٌ لا يلبسه إلّا المكرَّمون؛ فهم حرّاس الحقائق الأزليّة.
فأين نحن، أيّها السّادة، من هذه الصّفات المقدَّسة، ومن هذه الكمالات الصّاعدة إلى سحابة المعرفة الحقيقيّة؟ إنّ الحياة المادّيّة الّتي نعيشها، وما يعتريها من حماقاتٍ بشريّةٍ يندى لها الجبين، لا تطمس روح الحقيقة؛ فهي ستبقى في سكونها واستقرارها أبدَ الدّهر. فعِشْ، أيّها الشّيخ، في الجزيرة المباركة والفردوس الأعلى، إن شاء الله.
وأخيرًا، لا أنسى أبدَ الدّهر تلك العِترة الكريمة: بناته المصونات المكرَّمات المرحومات، وعلى رأسهنّ السّتّ أم ألماظة، صاحبة العفاف والطّهارة، وعنوان العزّة والكرامة.
وأسأل الله أن يوفّق شيخنا، الشّيخ أبا حسن موفّق، إلى ما يرضي ربّ العباد والعالمين، وأن يُعينه على السّير على هذا النّهج؛ فإنّ السّعيد مَن تمَّت به رئاسة آبائه.
كما أسأل العزّة الإلهيّة أن تُنبت في نفوس البشريّة روح المحبّة الإنسانيّة بين أبناء العالم، وأن تُلهمهم ترك الأمر لربّ البَرِيَّة. وعلى أبناء التّوحيد أن يتمسّكوا بقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
الفقير لله عاطف شعلان




























