نظرة نقديّة إلى التجسّس الإلكتروني المشتبه بتفشّيه في الدول العربيّة

في عصر أصبحت فيه شبكة المعلومات الدولية ضرورة يومية لبلايين البشر، تصبح خصوصيّة الأفراد على المحك كلّما توسّعت الشبكة واجتذبت أعداداً أكبر من المستخدمين. وتتسبّب تلك المعضلة في تصدّعات في تلك الشبكة، وفق بعض المسؤولين في شركة «غوغل» التي لا تتردّد أيضاً في إبداء «انزعاجها» من تجسّس الحكومات على مواطنيها عبر الإنترنت.

في السياق، يذكر أن العام 2013 كان حافلاً بفضائح التجسّس التي طاولت إدارة الرئيس باراك أوباما ومؤسسات استخباراتيّة في أميركا: أكبر قوة اقتصادية وصناعية عالميّاً. وسرعان ما رشحت بعض التسريبات حول اتفاقيّات جرت بين «وكالة الأمن القومي» الأميركيّة، وهي واسطة العقد في مجتمع الاستخبارات في الولايات المتحدّة، ومجموعة من كبريات شركات الإنترنت، وفق ما تداولته مجموعة كبيرة من وسائط الإعلام، خصوصاً صحيفة «دِر شبيغل» الألمانيّة ومجلة «وايرد» العلميّة الأميركيّة. وفي خضم تلك التموّجات، ارتفع صوت مجموعة من مديري «غوغل» متحدّثاً عن قلق الشركة من تلك الأجواء الفضائحيّة. وأعقب ذلك مطالبة «غوغل» الكونغرس بالسماح لها بتوجيه تحذيرات لمستخدميها في حال تلقيها طلباً من الحكومة لمراقبة أفراد من ذلك الجمهور الواسع. تلا ذلك صدور صرخات تحدّ من شركة «آبل» بوجه حكومة البيت الأبيض، مع إنذار بأن الشركة سوف توجّه إخطارات تلقائيّاً إلى الأفراد الذين تطلب الحكومة من الشركة ممارسة نوع من الرقابة عليهم، مع استثناء من تصدر السلطات القضائيّة أحكاماً تسمح بوضعهم قيد رقابة الحكومة.

بعيون مصريّة

جرجر المشهد السابق نفسه عبر السنة المنصرمة، بل أن ملامحه ما زالت ملحوظة في العام الجاري. وعلّق الباحث المصري في الحريّات الرقميّة محمد الطاهر، وهو أيضاً أحد أعضاء منظمة «حرية الرأي والتعبير»، على الأمر مؤكّداً أن التجسّس الإلكتروني لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل تمارسه دول كثيرة كفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة.

ولاحظ أن التجسّس الحكومي الإلكتروني لم يتوقف حتى اللحظة، لكن الموضوع يزداد تعقيداً وسوءاً، بل صار بارزاً بصورة ناتئة في مجموعة من الدول العربيّة. وأشار الطاهر إلى أن الجمهور العربي يستطيع أن يتثبّت بنفسه من مسألة التجسّس الحكومي عليه، بإجراء بحث بسيط عن ذلك الموضوع على الإنترنت. ولاحظ أن المواد الإعلاميّة المتوافرة عن ذلك الموضوع تشمل تسريبات غير مؤكدة وتكهنات وتصريحات وتصريحات المضادة. وأضاف: «إذا كنت ممن ينشدون الموضوعيّة في شتى أمور الحياة، فلن تسعفك الحيلة للانتصار لأحد الطرفين. ولا مفر للمرء من بذل جهود كي يستثني تلك المواد التي تبدو كأنها تنطق عن الهوى، ليصل إلى رسم صورة فيها قدر معقول من الحيادية عن ذلك الموضوع».

في السياق عينه، تحدّث باحثان مصريّان في الحريّات الرقميّة عن الطريقة التي ابتدأ فيها ذلك الأمر في القاهرة، التي شعرت بالموضوع بعد ظهور عدد من التسريبات التي تناولتها الصحف في شكل مكثف. إذ رجّح الباحثان محمد الطاهر ورامي رؤوف الفضل، أن ذلك حدث ذلك بعد اقتحام متظاهرين مقر جهاز أمن الدولة المُنحلّ خلال «ثورة 25 يناير».

وحينها، أعقب الاقتحام نشر صور ضوئيّة عن محادثات كتابيّة دارت بين العاملين في ذلك الجهاز الأمني تفيد عن انخراطهم في تعاقد مع شركة «غاما» الإنكليزية، يشمل برنامج تجسّس إلكتروني متطور يدعى «فين فيشر». ويمنح ذلك البرنامج لجهاز الأمن القدرة على تتّبع نشاطات الجمهور المصري على الإنترنت، مع غياب أصول المستندات. وبذا، تبقى مسألة التجسّس مخاتلة، بمعنى أن أحداً لا يستطيع الجزم إذا كانت تلك التسريبات حقيقية أم مصطنعة.

صوت منظّمات دوليّة

خلال العام المنصرم، نشرت منظمة «فريدوم هاوس» تقريراً تحدّث عن الدول العربيّة الأشد تضييقاً على شبكة الإنترنت، لجهة ممارسة التجسّس الحكومي وحجب المواقع على الشبكة. وحلّت في المراتب الأولى عربيّاً سورية ومصر، إضافة إلى بلدان عربيّة اخرى. وقبل نشر التقرير، ظهرت أنباء عن «عزم» وزارة الداخلية في مصر إجراء مناقصة لشراء أحد أنظمة التتبّع الإلكتروني على الشبكة العنكبوتيّة، بل أكّدت صحيفة «الوطن» القاهريّة حيازتها مستندات عن ذلك، ما دفع الوزارة إلى إعلان تراجعها عنه في وقت لاحق.

وكذلك اتّهمت منظّمة «هيومن رايتس ووتش» في صيف 2014، دولاً عربيّة باستخدام برنامج رقمي من تصميم شركة إيطاليّة، في التجسس على البريد الإلكتروني والرسائل النصيّة للخليوي. وقبل ذلك بسنتين، وضعت منظمات غير حكوميّة اخرى، من بينها «مراسلون بلا حدود»، بعض الدول العربيّة على قائمة الدول المعاديّة للإنترنت، بل وجّهت لها اتهامات باستخدام برمجيّات التتبع على الشبكة لمنع تمدّد «الربيع العربي» إلى أراضيها.

في ذلك الصدد، أشار الفضل إلى وجود بلدان شرق أوسطيّة على قوائم التقارير الدورية عن الرقابة الإلكترونيّة التي تصدرها مؤسّسة «سيتيزين لاب» التابعة لجامعة «تورنتو» الكنديّة. وتستخدم تلك المؤسّسة وسائل متطوّرة لقياس الرقابة الحكوميّة على الإنترنت. ولاحظت أن ما يزيد على 25 حكومة تستخدم نُظُماً صنعتها شركة «بلو كوت» Blue Coat الأميركيّة، (مقّرها كاليفورنيا، وباتت مملوكة لشركة «باين» الأميركيّة منذ آذار- مارس 2015)، للسيطرة على وصول الجمهور إلى الشبكة العنكبوتيّة وتتبّع نشاطات أفراده أيضاً.

+ -
.