
يتردد اليوم في الفضاء العام سؤال “هل الدروز مسلمون؟” بكثافة غير مسبوقة، وغالباً ما يأتي مشحوناً برغبة ملحة في إجابة حاسمة بـ “نعم” أو “لا”؛ وكأن السائل يقف أمام بوابة محكمة، يبحث عن ختمٍ سريع يفرز من في الداخل ومن في الخارج. لكن هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرة، لا يختبر واقع الدروز وحدهم، بقدر ما يضع فهمنا نحن لماهية “الإسلام” على المحك. فهل الإسلام مجرد مدونة قانونية وطقوس شكلية تُقاس بالمسطرة؟ أم هو حضارة روحية كبرى، وتاريخ طويل من البحث البشري عن الله، ومساحة شاسعة اتسعت عبر القرون للفقيه الذي يتمسك بحرفية النص، وللفيلسوف الذي يبحث عن المعنى، وللصوفي الذي ينشد جوهر الحقيقة؟
من المنظور التاريخي، لا يمكن القول إن الدروز هبطوا من خارج السياق الإسلامي. لقد تشكلت نواتهم الأولى في العصر الفاطمي، في قلب بيئة إسلامية كان النقاش فيها حول التوحيد والعدل والنبوة وحدود المعرفة يعيش ذروته. لغتهم عربية مبينة، ومنطقهم العقدي نبت في تربة الفلسفة الإسلامية، ومفاهيمهم لا يمكن تفكيكها إلا بأدوات معرفية إسلامية بحتة. حتى لحظة التمايز الأولى لم تكن مواجهة بين دينين منفصلين، بل كانت اجتهاداً جذرياً وانشقاقاً “داخل” البيت الواحد.
ولفهم هذا الموقع بدقة، علينا استحضار ذلك التوتر القديم الذي عاشته تجارب إسلامية كبرى: التوتر بين “الظاهر” المرتبط بالقانون والطقوس، و”الباطن” المرتبط بالمعنى والحقيقة. هذا التوتر لا يعني رفض الدين، بل يعني أن ثمة جماعات بنت تصورها الإيماني على أولوية “اللب” على “القشرة”، وعلى قناعة بأن الوصول إلى “التوحيد الخالص” يغني العارف عن التمسك بالشكل الطقسي. ضمن هذا الأفق، يُقرأ الدروز كجماعة انحازت كلياً لـ “إسلام المعنى” وتجاوزت “إسلام القانون”، وهو مسلك – وإن كان صادماً للعرف السائد – له جذوره العميقة في تراث التصوف الفلسفي الإسلامي.
بيد أن الحيرة في تصنيفهم اليوم لا تعود للأفكار وحدها، بل للجدار الاجتماعي الذي ارتفع مع الزمن. فقد تطورت الجماعة لتصبح مجتمعاً مغلقاً ذا حدود صارمة ونظام تعليمي باطني، مما جعلها سياسياً واجتماعياً كيانًا متمايزاً بوضوح. ومع شيوع تعريف للمسلم يحصره فيمن “يؤدي الشعائر وفق الشكل الفقهي المؤسسي”، أصبح هذا التمايز الاجتماعي والطقسي سبباً كافياً لإخراج الجماعة من الدائرة في نظر الكثيرين.
في المحصلة، فإن الإجابة عن سؤال “هل الدروز مسلمون؟” تتغير كلياً بتغير “ميزان” السائل. إذا كان معيارك هو الالتزام الحرفي بفتاوى الفقهاء وشكل العبادات التقليدي، فستجدهم خارج الإطار. أما إذا كان معيارك حضارياً وتاريخياً؛ ينظر إلى المنشأ، واللغة، والمفاهيم، والسعي لمعرفة الله عبر مسالك التأويل التي عرفها التراث، فهم بلا شك في قلب التاريخ الإسلامي.
إن وجود الدروز وتمايزهم ليس دليلاً على ضعف في بنية الإسلام، بل هو شاهد حيّ على سعة الفضاء الإسلامي وقدرته التاريخية على استيعاب مسالك متباينة في السير نحو المطلق. وربما، بدلاً من التراشق بأختام الإدخال والإخراج، قد يكون الأجدى استبدال عقلية “القاضي” بعقلية “المتأمّل” الذي يدرك أن الإجابات السريعة كثيراً ما تطمس الواقع المعقد بدلاً من أن تشرحه.
عن صفحة عمر الحلبي على الفيسبوك




































