عن مونت كارلو الدولية – إعداد نائلة الصليبي
في الثاني عشر من مارس/آذار عام 1989، لم يكن العالم يدرك أن ورقة تقنية بسيطة قُدمت داخل أروقة المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) ستعيد تشكيل وجه الحضارة الإنسانية. في ذلك اليوم، وضع عالم الكمبيوتر البريطاني تيم بيرنرز-لي مقترحاً لإنشاء نظام لإدارة المعلومات، وهو ما عُرف لاحقاً بـ “الشبكة العالمية “الـ” World Wide Web”.
وبعد مرور أكثر من ثلاثة عقود، لم يعد الويب مجرد أداة تقنية، بل أصبح الفضاء الذي نتنفس فيه رقمياً. ومع ذلك، يرفع مؤسس هذه الشبكة صوته اليوم محذراً: “الويب الذي حلمتُ به ليس هو الويب الذي نعيشه اليوم”.
ما الفرق بين الإنترنت والويب؟
من المهم هنا التمييز بين مفهومين غالباً ما يقع الكثيرون في خطأ خلط مفهوم “الإنترنت” بـ “الويب”:
الإنترنت: هي البنية التحتية الصلبة، شبكة من الأسلاك والخوادم التي نشأت عام 1969 تحت مسمى ARPANET لربط الجامعات ومراكز البحوث الأمريكية، وهي البنية التحتية التي تحمل حركة البيانات.
الويب: فهو نظام يعمل فوق هذه البنية، يسمح بتصفح المعلومات وربطها عبر الصفحات والروابط باستخدام برامج تصفح الويب ومحركات البحث وبروتوكولات الاتصال الخاصة به. الويب هو أحد تطبيقات الإنترنت، إلى جانب البريد الإلكتروني، وخدمات المحادثة ،والمنصات الاجتماعية وغيرها.
الفردوس المفقود: كيف انحرفت الرؤية؟
كانت رؤية بيرنرز-لي الأصلية تقوم على فضاء مفتوح، مجاني، ومتاح للجميع للتعاون وتبادل المعرفة دون قيود. لكن مع اقتراب الذكرى الأربعين لهذا الاختراع، يبدو الواقع مغايراً تماماً.
في تصريحات لصحيفة The Guardian، عبّر تيم بيرنرز-لي عن استيائه من تحول الشبكة إلى ساحة تهيمن عليها شركات التكنولوجيا الكبرى Big Tech لقد تحول النموذج الاقتصادي من “نشر المعرفة” إلى “اقتصاد الانتباه”، حيث تُجمع بيانات المستخدمين وتُحلل لتحقيق أرباح إعلانية ضخمة.
ويصف مؤسس الويب هذه البيئة بأنها أصبحت “محسنة للخبث” Optimized for nastiness؛ حيث تعمل الخوارزميات على تضخيم الاستقطاب السياسي ونشر المعلومات المضللة لأنها تجذب تفاعلاً أكبر، وهو ما ظهر جلياً في تداعيات انتخابات عام 2016.
مشروع Solid: ثورة “الكبسولة” لاستعادة السيادة الرقمية
لا يكتفي تيم بيرنرز-لي بالنقد، بل يقود اليوم مشروعاً تقنياً طموحاً يسمى Solid وهو اختصار Social Linked Data يهدف إلى إعادة التوازن للويب. أساس هذا المشروع هو “لامركزية البيانات”.
يعتمد المشروع على فكرة “الكبسولات الشخصية” Pods اختصار Personal Online Data Store، وهي مخازن بيانات رقمية يمتلكها المستخدم بالكامل. بدلاً من أن تكون صوره، سجلاته الصحية، وتفضيلاته موزعة ومشتتة ومملوكة لشركات مثل غوغل أو ميتا، وأمازون تُحفظ جميعها في “خزنة المستخدم الرقمية” الخاصة.
كيف سيغير Solid تجربتنا اليومية؟
فصل البيانات عن التطبيقات: التطبيق يصبح مجرد واجهة، بينما تظل البيانات في كبسولة المستخدم.
الإذن المؤقت: إذا طلب تطبيق لياقة بدنية الوصول لبيانات المستخدم، تمنحه إذناً مؤقتاً، وبمجرد الانتهاء تسحب الإذن، ولا تظل نسخة من بياناتك لديهم.
هوية رقمية موحدة: كبسولتك هي هويتك؛ لا داعي لإنشاء مئات الحسابات بكلمات مرور مختلفة.
يمكن تلخيص التحول الجذري الذي يقوده مشروع Solid من خلال رصد الفوارق الجوهرية بين النموذج التقليدي الذي نعيشه اليوم والرؤية الجديدة للسيادة الرقمية، وذلك عبر المحاور التالية:
أولاً: من حيث ملكية البيانات
في الويب التقليدي الذي تهيمن عليه الشركات الكبرى، تُعامل بياناتك الشخصية كـ سلعة” تجارية تمتلكها المنصات وتستغلها لتحقيق الأرباح. أما في نموذج Solid، فتحدث ثقة فكرية حيث تُعتبر البيانات “حقاً إنسانياً” أصيلاً، تظل ملكيته قانونياً وتقنياً بيد المستخدم وحده.
ثانياً: من حيث مكان التخزين
بدلاً من مراكز البيانات المغلقة والمشتتة داخل خوادم كل شركة على حدة حيث تضيع سيطرتك عليها بمجرد رفعها، يعتمد مشروع تيم بيرنرز-لي على الكبسولات الشخصية Pods. وهي مخازن رقمية موحدة يسيطر عليها الفرد بنفسه، وتكون هي المستودع الوحيد لكل نشاطه الرقمي.
ثالثاً: من حيث الخصوصية والتحكم
في النموذج الحالي، تعتمد الشركات على خوارزميات معقدة لتحليل خصوصيتك وتوجهاتك لأغراض إعلانية وتجارية. في المقابل، يضمن نموذج Solidخصوصية تامة؛ فالتحكم هنا ليس آلياً بل بشرياً، حيث لا تطلع التطبيقات إلا على ما تسمح به أنت، وللفترة الزمنية التي تحددها أنت فقط.
رابعاً: من حيث فلسفة العلاقة
نحن ننتقل من عالم قائم على شفط البيانات، حيث نضطر للتنازل عن خصوصيتنا مقابل الحصول على خدمات مجانية، إلى عالم السيادة الرقمية، حيث تصبح التطبيقات مجرد أدوات تقنية تخدمنا وتلبي احتياجاتنا دون أن تمتلك هويتنا أو تتاجر بمعلوماتنا.
الذكاء الاصطناعي.. سيف ذو حدين
امتدت انتقادات تيم بيرنرز-لي لتطال الاحتكارات التقنية التي يصفها بأنها “تقتل الابتكار وتُعيق بناء أنظمة إنسانية”. وفيما يخص الذكاء الاصطناعي، ينظر تيم بيرنرز-لي إلى الذكاء الاصطناعي بحذر شديد. فهو يصفه بـ”السيف ذي الحدّين”: أداةٌ قادرة على تحسين حياة البشر إذا أُحسن توجيهها، لكنها قد تتحول إلى وسيلة تدمير حين تتركز في يد قلة من الشركات التي “تضع الربح فوق الأخلاق”، مما قد يحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة تزيد من حدة التلاعب والسيطرة.
المعركة من أجل “روح الويب”
مع ذلك يحتفظ تيم بيرنرز-لي بتفاؤله. فهو يؤمن بأن الأنظمة القائمة ستتلاشى تدريجياً حين يُدرك المستخدمون قيمة أنظمة بديلة تصون خصوصيتهم وتمنحهم حرية حقيقية.
يرى في كتابه الجديد “هذا للجميع- ” This is for Everyone، أن إصلاح الإنترنت لا يقع على عاتق التقنيين وحدهم، بل يستوجب تضافراً بين المطورين والمشرّعين والمستخدمين العاديين.
يختتم تيم بيرنرز-لي «والد الويب “رؤيته بصرخة أمل: “يمكننا بناء ويب يعكس آمالنا بدلاً من أن يضخم مخاوفنا. المعركة من أجل روح الويب ما زالت مستمرة، وهي معركة تستحق أن نخوضها من أجل مستقبل الإنسانية الرقمي”.
لكن هل نحن، كمستخدمين، مستعدون للتخلي عن سهولة الخدمات المجانية مقابل استعادة سيادتنا على بياناتنا؟”
يمكن الاستماع لـ “بودكاست النشرة الرقمية” على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج”النشرة الرقمية”من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي
إعداد:
نايلة الصليبي (مونت كارلو الدولية)




































