
أحيانًا نحن لا نرى الحقيقة كما هي، بل نراها من خلال “الخريطة” الموجودة داخل عقولنا. وفي المجال التّربويّ تحديدًا، تظهر هذه الفكرة بوضوح كبير. فكلّ شخص يرى التّعليم من منظوره الخاصّ وزاويته الخاصّة؛ هناك من يراه إنهاءً للمادّة، وحفظًا للمعلومات، ونتائجَ تُقاس بالعلامات فقط، وهناك من يراه بناءً للإنسان قبل أيّ شيء آخر.
كمعلّمة، أؤمن دائمًا أنّ الطّالب، قبل أن يحفظ الدّرس، يحتاج أن يشعر أنّه مرئيّ… مسموع… ومهمّ. أحاول بناء ثقته بنفسه، وزرعَ بداخله شعور الأمان والانتماء، والدّخول إلى أعماقه؛ لأنّني أؤمن أنّ الشّخصيّة القويّة تتعلّم أسرع من العقل الخائف.
لكن للأسف، ليس الجميع يرى ما كنت أراه. فالبعض رأى أنّ الاهتمام بمشاعر الطّلاب مضيعة للوقت، وأنّ التّركيز على الحوار، والاحتواء، وبناء الثّقة، ابتعادٌ عن “التّعليم الحقيقيّ”.
وهنا تذكّرت إحدى فرضيّات البرمجة اللغويّة العصبيّة (NLP – Neuro-Linguistic Programming):
“الخريطة ليست هي الواقع.”
ما أراه أنا ليس بالضّرورة ما يراه غيري،
وما يراه غيري ليس الحقيقة المطلقة أيضًا.
في كثير من الأحيان، نقيس نجاح التّعليم بكمّيّة المعلومات التي حُفظت، وعدد الصّفحات التي أُنجزت، وسرعة الطّالب في الإجابة. لكن السّؤال الأهمّ، الذي نادرًا ما نطرحه: هل هذا الطّالب مستعدّ نفسيًا ليتعلّم أصلًا؟
لأنّ العقل المُرهَق لا يستقبل، والطّالب المُرهَق، الذي يشعر بالخوف أو التّوتّر أو العزلة، قد يحفظ مؤقّتًا، لكنّه لا يتعلّم بعمق.
وهنا تبدأ الفجوة الحقيقيّة بين مفهومين:
“حشو المعلومات”
و”بناء الإنسان”.
فالطّالب ليس آلةً لحفظ المعلومات، بل إنسان يحمل مشاعر، وضغوطًا، وأفكارًا، وتجارب تؤثّر بشكل مباشر على طريقة استقباله للتّعلّم. لهذا أرى أنّ دوري كمعلّمة لا يقتصر على شرح المادّة فقط، بل البحث عن الطّالب الذي يختبئ خلف الصّمت، أو التّشتّت، أو السّلوك المختلف.
أؤمن أنّ بناء الثّقة، والشّعور بالأمان، والاحتواء… ليست أمورًا منفصلة عن التّعليم، بل هي التّربة التي تنمو فيها المعرفة بشكل صحيّ. أرى الإنجاز الحقيقيّ في ذلك الطّالب الذي كان يجلس وحيدًا في زاوية الصّف، منعزلًا، يشعر أنّه خارج المكان… ثم بدأ تدريجيًا يندمج، ويضحك، ويتحدّث، ويشعر أنّه جزء من المجموعة.
بالنسبة لي، هذه ليست تفاصيل جانبيّة، بل جوهر العمليّة التّربويّة. فالإنسان لا يتعلّم بعمق وهو يشعر بالعزلة، ولا يُبدع وهو خائف من الرّفض أو غير قادر على الاندماج. وحين يشعر الطّالب بالإلفة والانتماء، يُصبح أكثر استعدادًا للتّعلّم، وأكثر قدرة على التّعبير، والمشاركة، والتّركيز.
لهذا أؤمن أنّ دمج الطّالب مع رفاقه، وكسر شعوره بالوحدة، وبناء بيئة يشعر فيها بالأمان النّفسي، قد يكون أحيانًا أهمّ من إنهاء عدّة صفحات إضافيّة في الكتاب.
لكن المؤلم أحيانًا أنّ هذه الجهود الإنسانيّة لا تُرى دائمًا، لأنّ البعض يقيس النّجاح فقط بما يُكتب على الورق، لا بما يحدث داخل روح الطّالب.
أحيانًا تُعطي من قلبك، وتُحاول أن تهيّئ الطّالب نفسيًا ليُصبح مستعدًا للتّعلّم، فيُفسَّر اهتمامك على أنّه تقصير، ويُنظَر إلى احتوائك على أنّه ضعف، وإلى تركيزك على بناء الشّخصيّة على أنّه ابتعاد عن التّعليم.
وهنا تكون الخيبة، ليس لأنّك لم تُخلص، بل لأنّ النّوايا لا تُرى دائمًا، ولأنّ كلّ شخص يقرأ الموقف من “خريطته” الخاصّة، لا من الحقيقة الكاملة.
لكن هذا لا يعني أنّ الاهتمام بالإنسان خطأ، ولا يعني أنّ بناء الشّخصيّة أمر ثانويّ. فالنّجاح الحقيقيّ لا يظهر دائمًا فورًا في دفتر العلامات، بل أحيانًا يظهر لاحقًا بطالب تعلّم كيف يثق بنفسه، وكيف يعبّر، وكيف ينهض من ضعفه، وكيف يشعر أنّ له قيمة داخل هذا العالم.
فالطّالب قد ينسى درسًا، لكنّه لا ينسى أبدًا شعورًا جعله يرى نفسه مقبولًا، وآمنًا، ومهمًّا بين الآخرين.
وربّما نحن اليوم لا نحتاج فقط إلى تطوير المناهج… بل إلى إعادة النّظر في الطّريقة التي ننظر بها إلى الطّالب نفسه.
لأنّ التّعليم الحقيقيّ لا يبدأ من الكتاب فقط.. بل يبدأ من الإنسان…



































