
لم تأتِ السمعة المميزة التي يحظى بها عسل الجولان من قبيل المصادفة، بل هي ثمرة بيئة طبيعية استثنائية، وخبرة متراكمة توارثها النحالون عبر الأجيال، إلى جانب تطور مهني وعلمي شهدته هذه المهنة خلال العقود الأخيرة.
في مقره بمنطقة الخواريط جنوبي مجدل شمس، ينهمك النحال محمود عواد في استخراج العسل من البراويز التي جلبها للتو من المناحل المنتشرة في الحقول الواسعة على المنحدرات الغربية لجبل الشيخ. ومن هناك يبدأ الطريق الذي ينتهي بمنتج بات يحظى بثقة وإقبال محبي العسل من مختلف أنحاء البلاد.

ويؤكد محمود أن المكان هو السر الحقيقي وراء جودة عسل الجولان، قائلاً إن السمعة التي اكتسبها هذا المنتج “لم تأتِ من فراغ”، فالبيئة الطبيعية في شمال الجولان توفر ظروفاً يصعب العثور عليها في مناطق أخرى.
ويشرح أن المنطقة تتميز بنقاء بيئي استثنائي، إذ تخلو من المصانع ومصادر التلوث، وتعتمد على مياه الينابيع المتشكلة من ذوبان ثلوج جبل الشيخ، وهي مياه نقية تسهم في توفير بيئة مثالية للنباتات والنحل على حد سواء. كما أن تعاقب الفصول الأربعة بوضوح، وهي ميزة ينفرد بها الجولان، يمنح النحالين إمكانية جني ثلاثة مواسم مختلفة من العسل، لكل منها خصائصه ونكهته المميزة، تبعاً لتنوع الغطاء النباتي ومواعيد الإزهار.
ويشير محمود إلى أن تربية النحل ليست مهنة جديدة على أبناء الجولان، بل هي جزء من التراث الزراعي المحلي، حيث اعتاد الأهالي على تربية النحل منذ القدم لتأمين احتياجاتهم المنزلية، قبل أن تتحول هذه الهواية تدريجياً إلى قطاع إنتاجي متطور.
ويضيف أن العقود الأخيرة شهدت نقلة نوعية في هذا المجال، مع ارتفاع مستوى الوعي والاحترافية لدى النحالين، الذين باتوا يتلقون تدريبات متخصصة في أسس تربية النحل والإدارة العلمية للخلايا. ويتم ذلك من خلال دورات تعليمية تنظم بالتعاون بيني وبين كلية تل حاي، وتقام هذه الدورات هنا عندنا في المقر لتسهيل الأمر على الدارسين، إلى جانب المشاركة في مؤتمرات ودورات تدريبية دولية تتيح الاطلاع على أحدث التقنيات والممارسات في عالم تربية النحل وإنتاج العسل.

وبحسب محمود، فقد أصبحت صناعة العسل اليوم أحد الروافد المهمة للاقتصاد المحلي في شمال الجولان، مع ازدياد أعداد المربين واتساع حجم الإنتاج عاماً بعد عام.
وفي إطار تنظيم هذا القطاع، يوضح محمود أن الحاجة إلى الحصول على مراعي للنحل بصورة رسمية دفعت النحالين إلى تأسيس جمعية “نحالة الحرمون”، التي تضم حالياً نحو 60 عضواً مسجلاً، وتشرف على ما يقارب 2400 خلية نحل، الأمر الذي يسهم في تنظيم قضية الحصول على المراعي، وتعزيز التعاون بين النحالين.

ويعكس هذا التنظيم، إلى جانب الاستثمار في التدريب والخبرة، التحول الذي شهدته تربية النحل في الجولان من نشاط تقليدي محدود إلى صناعة زراعية متخصصة، تعتمد على المعرفة العلمية وتحافظ في الوقت ذاته على إرث طويل من الخبرة المحلية.
ومع استمرار الحفاظ على البيئة الطبيعية الفريدة للجولان، وتنامي الخبرات المهنية لدى النحالين، يبدو أن عسل الجولان سيواصل ترسيخ مكانته كواحد من أبرز المنتجات الزراعية في المنطقة. فالجودة التي صنعتها الطبيعة، وصقلتها خبرة الإنسان، جعلت من هذا العسل علامة مميزة تعكس هوية الجولان الزراعية، كما التفاح والكرز، وتشكل نموذجاً ناجحاً للاستثمار المستدام في الموارد المحلية.


































