
تقرير سياسي–تاريخي / مركز المشكاة للدراسات والتوثيق
دروز سوريا وإسرائيل بين الذاكرة الوطنية والعربية وانقلاب معادلة الأمان بعد تموز 2025
مقدمة
أعادت التصريحات الأخيرة لسماحة الشيخ حكمت الهجري بشأن العلاقة بين الدروز وإسرائيل، وما نُقل عنه حول قواسم تصل إلى مستوى «العقيدة»، فتح ملف يتجاوز حدود التصريح نفسه إلى سؤال أكثر عمقًا: هل تمثل العلاقة الراهنة بين دروز سوريا وإسرائيل امتدادًا تاريخيًا وعقائديًا طبيعيًا، أم أنها انعكاس لتحول سياسي وأمني فرضته تطورات السنوات الأخيرة، وبلغ نقطة الانكسار بعد أحداث السويداء في تموز 2025؟
يتطلب الاقتراب من هذا السؤال الفصل بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي والإعلامي: العقيدة الدينية للدروز، وتاريخهم الوطني والعربي، وعلاقاتهم السياسية والأمنية المتغيرة مع الدول المحيطة.
فالعلاقة بين دروز سوريا ودروز الجليل والكرمل هي علاقة أهل ومذهب وامتداد اجتماعي عابر للحدود. أما العلاقة مع دولة إسرائيل فهي علاقة سياسية مرت خلال أقل من قرن بالخصومة، ومحاولات الاستقطاب، والقتال، ثم التعاون والبحث عن الحماية.
ومن هنا ينطلق هذا التقرير من نتيجة أولية: التاريخ لا يسند فكرة وجود علاقة عقائدية ثابتة بين الدروز ودولة إسرائيل؛ لكنه يفسر بوضوح كيف يمكن أن تتغير التحالفات عندما تتغير مصادر الخطر والأمان.
أولًا: من الثورة العربية إلى تأسيس الوطنية السورية
لم يدخل دروز جبل العرب الحياة الوطنية السورية بعد اكتمال الدولة، بل كانوا من الفاعلين في المرحلة والمؤسسين لها والتي تشكلت فيها فكرة الدولة نفسها.
ارتبط سلطان باشا الأطرش بالحركة العربية وبالمشروع الذي قاده الشريف حسين والأمير فيصل، وشارك رجال من جبل العرب في المسار الذي انتهى بدخول دمشق سنة 1918 وانهيار الحكم العثماني.[1]
كانت تلك اللحظة ذات معنى يتجاوز المشاركة العسكرية. فقد ارتبط الجبل بمشروع عربي كانت دمشق مركزه السياسي، قبل أن تبدأ فرنسا لاحقًا بتقسيم سوريا إلى كيانات منفصلة وفق اعتبارات جغرافية وطائفية. وكان جبل الدروز واحدًا من هذه الكيانات.
غير أن المسار الذي مثله سلطان باشا الأطرش لم يتجه إلى تحويل الخصوصية الدرزية إلى وطن بديل، بل إلى مقاومة الانتداب والتقسيم ضمن مشروع سوري أوسع.
وفي هذه البيئة برز اسم المجاهد حسين مرشد رضوان، الذي ارتبط في الذاكرة المحلية بـ«الرصاصة الأولى» السابقة لانفجار الثورة السورية الكبرى. ويورد المؤرخ سلامة عبيد واقعة إصابة أحد الجنود الفرنسيين برصاصة من مسدس حسين مرشد رضوان خلال المواجهات التي سبقت الثورة، وما ترتب عليها من مطالب فرنسية بهدم داره ومعاقبة أهالي السويداء.[2] ثم انفجرت الثورة سنة 1925.
وما بدأ من جبل العرب لم يبقَ ثورة محلية أو طائفية، بل امتد إلى دمشق والغوطة ومناطق أخرى، وأصبح في الذاكرة السياسية السورية الثورة السورية الكبرى.
كانت فرنسا تعيد رسم البلاد وفق هوياتها الجزئية. وكان رجال الجبل يقاتلون من أجل إطار وطني يتجاوز حدود طائفتهم. وهذه ليست قراءة لاحقة للتاريخ، بل واحدة من أكثر مفارق تلك المرحلة وضوحًا.
ثانيًا: المنفى العربي… حين أصبحت العروبة تجربة معيشة
بعد انحسار الثورة عسكريًا، بدأت مرحلة المنفى.
غادر سلطان باشا الأطرش ومعه مئات المجاهدين وعائلاتهم، ومن بين رفاق الثورة أسماء مثل الأمير عادل أرسلان، وعقلة القطامي، وعلي عبيد، وقاسم أبو خير، وحسين مرشد رضوان وغيرهم.[3]
تنقل المجاهدون أولًا في شرق الأردن، ثم انتقلوا إلى وادي السرحان والمناطق الخاضعة لحكم المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله.
وتروي مذكرات سلطان باشا الأطرش أن المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله منحهم الحماية بعد اتصالات ومفاوضات هدفت إلى الاطمئنان إلى موقفهم من الصراعات الداخلية في الجزيرة العربية، وسمح لهم بالاستقرار والاحتفاظ بسلاحهم للدفاع عن أنفسهم وعائلاتهم.[4]
استمرت حياة المنفى سنوات حتى عودة المجاهدين إلى سوريا سنة 1937.
وتمنح هذه المرحلة العلاقة الدرزية–العربية معنى يتجاوز الشعارات.
فالرجل الذي قاتل ضمن المشروع العربي وطاردته فرنسا وجد الملاذ في شرق الأردن وفي ديار المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله. لم تكن وحدة المذهب شرطًا للنجدة. بل كانت هناك منظومة أقدم من التصنيفات السياسية الحديثة:
الجوار، والنخوة، وإغاثة المستجير، والكرامة، ووحدة القضية.
ولهذا كانت العروبة بالنسبة إلى جيل سلطان باشا تجربة سياسية وإنسانية عابرة للحدود، لا مجرد تعريف لغوي أو قومي نظري.
ثالثًا: الحركة الصهيونية والدروز… علاقة حاولت السياسة تشكيلها
من المفيد هنا العودة إلى مرحلة سبقت قيام إسرائيل.
فخلال الثورة الفلسطينية الكبرى بين 1936 و1939، بدأت مؤسسات وشخصيات في الحركة الصهيونية بمحاولات منظمة لإقامة قنوات مع شخصيات درزية في فلسطين وسوريا ولبنان. وكان آبا حوشي من أبرز العاملين على هذا الملف.
تُظهر الدراسات أن الهدف في بدايته كان الحد من انخراط الدروز في الثورة الفلسطينية واستثمار التوترات المحلية لبناء موقع سياسي درزي منفصل نسبيًا عن الحركة الوطنية الفلسطينية.[5] ثم تطورت الفكرة. وبحلول عامي 1938 و1939، نوقش داخل الوكالة اليهودية مشروع لنقل دروز فلسطين من الجليل والكرمل إلى جبل الدروز في سوريا. وتشير الوثائق إلى مشاركة شخصيات مركزية في الحركة الصهيونية في دراسة هذا المشروع، وإلى أن الحصول على الأراضي التي سيتركها الدروز في فلسطين كان من الفوائد المتوقعة منه.[6] أما موقف سلطان باشا الأطرش، فتحتاج قراءته إلى شيء من الحذر.
تؤكد دراسة أكاديمية أن لقاءً أول سنة 1938 انتهى برفض سلطان التعاون مع الصهيونيين، بينما تشير تقارير الوكالة اليهودية اللاحقة إلى استمرار النقاش ووجود موقف أكثر حذرًا وتعقيدًا تجاه إمكان انتقال طوعي للدروز بشروط محددة.[7]
ومن ثم لا ينبغي تحويل هذه المرحلة إلى رواية بسيطة من القبول أو الرفض المطلق.
لكن ما تثبته بما يكفي هو أن العلاقة كانت منذ ذلك الوقت: موضوع سياسة وتفاوض واستقطاب، لا رابطة عقائدية أزلية.
رابعًا: الهوشة والكساير… عندما خرج رجال الجبل إلى فلسطين
بعد أقل من عقد على تلك المشاريع، تحرك مقاتلون من جبل العرب في الاتجاه المعاكس. دخل فوج جبل العرب فلسطين ضمن جيش الإنقاذ العربي بقيادة شكيب وهاب، وتمركز في محيط شفا عمرو وشارك في العمليات العسكرية هناك سنة 1948.[8] وخاض الفوج بصورة خاصة معارك الهوشة والكساير ورمات يوحنان.
وقُسم إلى سرايا حملت أسماء ارتبطت بذاكرة الثورة السورية الكبرى، منها المزرعة والمسيفرة والكفر والفالوج.[9] وكان أبو الخير رضوان قائد سرية «المزرعة».[10]
وتكتسب هذه التسمية معنى رمزيًا لافتًا. فمعركة المزرعة كانت واحدة من أهم انتصارات الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين، ثم حمل المقاتلون اسمها معهم إلى فلسطين. وبين حسين مرشد رضوان، المرتبط اسمه بالرصاصة الأولى السابقة للثورة السورية الكبرى، وأبي الخير رضوان الذي قاد سرية المزرعة في فلسطين، تظهر سلسلة تاريخية يصعب اختزالها: من مقاومة الانتداب الفرنسي في سوريا، إلى المشاركة في القتال العربي في فلسطين.
وهذه الواقعة لا تثبت أن جميع الدروز اتخذوا الموقف نفسه من الصراع الفلسطيني–الصهيوني؛ فقد كانت مواقف دروز فلسطين متباينة وتغيرت لاحقًا بصورة كبيرة.
لكنها تثبت شيئًا أكثر تحديدًا وأهمية بالنسبة إلى هذا التقرير: لم يكن هناك اصطفاف درزي تاريخي ثابت مع إسرائيل يمكن تفسيره بالعقيدة.
خامسًا: السويداء بعد 2011… رفض الانخراط الكامل في حرب الأسد
عندما اندلعت الثورة السورية سنة 2011، اتخذت السويداء مسارًا مركبًا.
لم تتحول المحافظة إلى جبهة عسكرية شاملة ضد نظام بشار الأسد، لكنها لم تتحول أيضًا إلى خزان بشري مضمون لحرب النظام. ومع اتساع الصراع، أصبحت ظاهرة رفض الخدمة العسكرية والتخلف عن التجنيد واحدة من السمات المهمة في المحافظة، ورفض أعداد كبيرة من الشباب إرسالهم للقتال في محافظات سورية أخرى.[11]
كان وراء ذلك عدد من الاعتبارات المحلية والأمنية والسياسية، إلا أن أحد المعاني الاجتماعية الواضحة كان: رفض أن يتحول أبناء الجبل إلى أداة في قتل سوريين آخرين.
كما استقبلت السويداء نازحين وفارين من مناطق أخرى، واحتفظت بعض المضافات والعائلات بدور إنساني في إيواء النازحين والفارين من بطش أجهزة نظام الأسد.[12]
ثم تطور الحراك السياسي في المحافظة تدريجيًا، وصولًا إلى احتجاجات أكثر وضوحًا ضد النظام، ولا سيما منذ عام 2023.
وهكذا لم يبقَ التاريخ الوطني للدروز محصورًا في جيل 1925؛ بل ظهر، بصورة مختلفة، في خيارات أجيال لاحقة رفضت الانخراط الكامل في آلة الحرب الداخلية.
سادسًا: إسرائيل والمعارضة السورية… الاتصال سبق السويداء
من الأخطاء المتكررة في السجال الراهن تصوير العلاقة مع إسرائيل كما لو أنها بدأت عندما توجه الدروز إليها بعد تموز 2025.
فالواقع مختلف. منذ عام 2013، بدأت إسرائيل استقبال جرحى سوريين عبر الجولان ونقل بعضهم إلى مستشفياتها. وشمل البرنامج مدنيين ومقاتلين من المعارضة المسلحة.
وفي سنة 2015، أقر مسؤول عسكري إسرائيلي بأن عددًا محدودًا من عناصر جبهة النصرة تمكنوا من الدخول والحصول على العلاج، قبل تشديد آليات التحقق وإعلان عدم السماح بعلاج عناصر التنظيم داخل إسرائيل.[13]
ولا تكفي هذه الوقائع للقول إن إسرائيل كانت حليفًا رسميًا لجبهة النصرة، أو إنها كانت تدعم التنظيم عسكريًا. لكنها تثبت بصورة لا لبس فيها أن:
التواصل العملي مع إسرائيل لم يبدأ مع الدروز، ولم يكن حكرًا عليهم.
وهذه النقطة ستكتسب أهمية أكبر بعد سقوط نظام الأسد.
سابعًا: السلطة الجديدة في دمشق… من الخصومة إلى التفاوض المباشر
بعد سقوط بشار الأسد وانتقال السلطة إلى قيادة أحمد الشرع، الذي خرج من مسار تنظيمي بدأ بجبهة النصرة ثم هيئة تحرير الشام، ظهرت واحدة من أكثر المفارقات السياسية أهمية. فالسلطة الجديدة نفسها دخلت مسار اتصالات ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل.
وتشير تقارير رويترز إلى أن اتصالات غير رسمية سبقت أحداث السويداء، وأن القيادة السورية اعتقدت في يوليو/تموز 2025 أنها حصلت على ما يشبه ضوءًا أخضر للتحرك نحو السويداء، قبل أن ترد إسرائيل عسكريًا عقب ورود تقارير عن انتهاكات ارتكبت بحق الدروز.[14] ثم تطور مسار التفاوض بصورة أكبر، ووصل خلال 2025 و2026 إلى مباحثات بشأن ترتيبات أمنية وخفض التصعيد والوجود العسكري في الجنوب.[15]
وفي أغسطس/آب 2026، أكدت رويترز حصول اتصال مباشر بين رئيس الموساد رومان غوفمان ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، تناول من بين موضوعاته الوجود العسكري التركي في سوريا.[16] كما عُقدت في الأردن مباحثات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية بهدف استئناف التفاوض الأمني ووقف التصعيد.[17] ومن هنا تنشأ مفارقة سياسية يصعب تجاهلها: إذا كان تفاوض السلطة مع إسرائيل يمكن تبريره باسم المصلحة الوطنية والواقعية السياسية وتجنب الحرب، فلا يمكن جعل مجرد اتصال الدروز بالدولة نفسها دليلًا تلقائيًا على الخيانة أو فقدان الهوية.
المعيار ينبغي أن يكون واحدًا.
إما أن تقاس العلاقة بإسرائيل بغاياتها ونتائجها السياسية بالنسبة إلى الجميع، أو أن يُستخدم الاتصال بها معيارًا للولاء بالنسبة إلى الجميع.
أما أن يسمى أحدهما سياسة والآخر خيانة، فذلك يفتح بابًا واضحًا لازدواجية المعايير.
ثامنًا: تموز 2025… عندما انهارت معادلة الأمان
تبقى كل هذه الخلفيات غير كافية لفهم التحول الدرزي الراهن من دون تموز 2025.
فالسلطة الجديدة وصلت إلى دمشق من بيئة فصائل إسلامية مسلحة، ووضعت نفسها أمام اختبار بالغ الصعوبة: هل تستطيع الانتقال من منطق الفصيل المنتصر إلى منطق الدولة الوطنية التي تحمي جميع مواطنيها على قدم المساواة؟
في ذاكرة قطاع واسع من دروز السويداء، كانت أحداث تموز إجابة شديدة القسوة.
وثقت منظمة العفو الدولية أدلة على قتل 46 رجلًا وامرأة من الدروز خارج نطاق القضاء في 15 و16 يوليو/تموز 2025، وقالت إن عمليات الإعدام نفذتها قوات حكومية وقوات مرتبطة بها، بعضها كان يرتدي زيًا ويحمل شارات رسمية.[18]
كما وثقت المنظمة مظاهر إذلال ذي طابع طائفي، من بينها حلق شوارب رجال دين بالقوة، وحادثة موثقة سُئل فيها أحد الضحايا إن كان «مسلمًا أم درزيًا» قبل قتله بعد إجابته بأنه درزي.[19]
لكن هناك فارقًا نوعيًا بقي عالقًا في الذاكرة الدرزية:
حين ترتكب الانتهاكات قوة خصم، فإنها تؤكد العداء؛ أما حين ترتبط بقوات دخلت تحت اسم الدولة، فإنها تهدم الثقة في الدولة نفسها. وهنا انتقل السؤال من السياسة إلى الوجود.
لم يعد السؤال:
من حليفنا التاريخي؟
بل: من يستطيع أن يمنع تكرار تموز؟
تاسعًا: من «دمشق العروبة» إلى أزمة هوية الدولة
تتجاوز أزمة تموز الخلاف بين السويداء والسلطة. فهي تطرح سؤالًا عن طبيعة الدولة السورية الجديدة نفسها.
دمشق التي عرفها جيل سلطان باشا الأطرش كانت، في لحظة 1918، عاصمة مشروع استقلال عربي. أما دمشق الجديدة فقد وصلت إليها قيادة ذات جذور إسلامية جهادية، وتواجه مهمة تحويل جماعات مسلحة وموروث فصائلي إلى مؤسسات دولة.[20]
ولا يعني ذلك أن كل مؤسسات الدولة الجديدة أو كل أفرادها يحملون عقيدة جهادية، كما لا يعني أن سوريا محكومة حتمًا بهذا الإرث.
لكن أحداث تموز جعلت السؤال أكثر إلحاحًا لدى الدروز:
هل تجاوزت السلطة منطق الجماعة والفصيل فعلًا، أم أن الدولة الجديدة ما تزال تحمل داخل بعض مؤسساتها آثار ذلك الماضي؟
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة من الثنائية بين «سوريا العربية» و«سوريا الإسلامية».
السؤال هو: أي عروبة؟ وأي إسلام؟ وأي دولة؟
فالعروبة التي ارتبط بها تاريخ الجبل لم تكن إذلال الجار أو سلبه أمنه. والإسلام الذي عاش الدروز قرونًا في فضائه الحضاري أوسع بكثير من أيديولوجيا تنظيم أو فصيل سياسي.
عاشرًا: قراءة تصريحات الشيخ حكمت الهجري في سياقها
من هنا يمكن الوصول إلى تصريحات الشيخ حكمت الهجري بصورة أكثر اتزانًا.
من الناحية التاريخية والعقائدية، لا يقدم هذا التقرير ما يثبت وجود علاقة عقائدية ثابتة بين الدروز ودولة إسرائيل.
إسرائيل دولة حديثة. أما الاشتراك العقائدي المباشر فهو بين الدروز أنفسهم، سواء كانوا في السويداء أو الجليل والكرمل أو لبنان. لكن اختزال موقف الشيخ في هذه العبارة وحدها يقتطعها من سياق بالغ الأهمية. فالشيخ لا يتحدث اليوم في ندوة حول تاريخ الأديان. بل يتحدث بعد تموز 2025 بعد الدم بعد التهجير. وبعد تحول الخوف لدى جزء كبير من المجتمع من خوف سياسي إلى ما يصفه كثيرون بـ الخوف على الوجود.
وفي هذه اللحظة، ظهرت إسرائيل بوصفها قوة تقول للدروز إنها مستعدة لاستخدام قدراتها العسكرية في ردع من يهددهم لأسباب عقائدية تتعلق بدروز اسرائيل انفسهم وبقيادة سماحة الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للدروز باسرائيل.
وهذا يكفي لتفسير التحول سياسيًا، من دون الحاجة إلى تحويله إلى عقيدة.
فالقيادة التي تعتقد أن مجتمعها أمام خطر وجودي ستسأل قبل أي شيء:
من يستطيع أن يمنع تكرار ما حدث؟
ومن هنا يمكن الاختلاف مع الشيخ في توصيف العلاقة، مع فهم الأسباب السياسية والنفسية التي دفعته إليها. وهذا، في تقدير مركز المشكاة، أكثر إنصافًا من خيارين متقابلين: تخوين الشيخ والدروز من جهة، أو إعادة كتابة التاريخ كله لتبرير خيار سياسي معاصر من جهة أخرى.
حادي عشر: دَيْن الذاكرة… وما هكذا تُسدَّد الديون
ينبغي ألا تقتصر المراجعة على الخيارات الدرزية. فالعلاقة بين الدروز ومحيطهم السوري والعربي تحمل رصيدًا تاريخيًا لا يجوز إلغاؤه في لحظة الصراع. شارك رجال الجبل في المشروع العربي. وقادوا جزءًا أساسيًا من الثورة السورية الكبرى. وعندما طاردتهم فرنسا، فتحت لهم ديار العرب أبوابها، وفي مقدمتها حماية المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله. وعندما كانت فلسطين في الحرب، ذهب إليها فوج جبل العرب.
وخلال مأساة سوريا بعد 2011، رفض كثير من شباب السويداء أن يتحولوا إلى وقود في حرب الأسد ضد بقية السوريين.
ومن هنا يمكن فهم عمق الخذلان الذي تركته أحداث تموز وما رافقها من صمت أو تبرير أو تخوين في بعض الأوساط. وفي رقبة السوريين والعرب تجاه الدروز، بهذا المعنى، دَيْن من الذاكرة والوفاء.
ليس منّةً من طائفة على أحد.
ولا مطالبة بحصانة من النقد.
بل اعترافًا بعلاقة تاريخية طويلة دفعت جميع أطرافها أثمانًا حقيقية.
وما هكذا تُسدَّد الديون.
لا بالتكفير.
ولا بالتخوين.
ولا بنزع العروبة عن جماعة شاركت في حمل رايتها.
ولا بترك الجار في لحظة خوفه، ثم لومه لأنه، حين لم يجد من ينتظره، طرق بابًا آخر.
ختاما…
يخلص مركز المشكاة للدراسات والتوثيق إلى النتائج الآتية:
- لا يسند التاريخ فكرة وجود علاقة عقائدية ثابتة بين الدروز ودولة إسرائيل. العلاقة السياسية تغيرت جذريًا عبر الزمن.
- كان الدروز فاعلًا أصيلًا في تشكل المشروعين العربي والسوري الحديثين، من الثورة العربية إلى الثورة السورية الكبرى وفلسطين.
- حاولت الحركة الصهيونية منذ الثلاثينيات بناء علاقة سياسية خاصة مع الدروز، بما في ذلك بحث مشروع نقل دروز فلسطين إلى جبل الدروز؛ ما يؤكد أن العلاقة كانت مجالًا للاستراتيجية السياسية لا نتيجة حتمية دينية.
- مشاركة فوج جبل العرب في حرب فلسطين سنة 1948، ولا سيما معارك الهوشة والكساير، دليل واضح على غياب اصطفاف درزي تاريخي ثابت مع إسرائيل.
- الاتصال السوري بإسرائيل سبق التقارب الدرزي الحالي؛ إذ عولج جرحى من المعارضة المسلحة داخل إسرائيل، ووصل عدد محدود من عناصر جبهة النصرة إلى هذا البرنامج الطبي وفق إقرار إسرائيلي.
- السلطة السورية الحالية نفسها دخلت في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، قبل أحداث السويداء وبعدها، ووصل الاتصال إلى مستويات سياسية واستخباراتية عليا.
- أحداث تموز 2025 تمثل نقطة الانكسار الأهم في معادلة الأمن الدرزية؛ لأن الانتهاكات الموثقة التي ارتبطت بقوات حكومية وقوات تابعة لها أضرت بالثقة في الدولة نفسها، لا في سلطة سياسية فقط.
- بناءً على ذلك، فإن التقارب الراهن مع إسرائيل يُفهم بصورة أدق بوصفه بحثًا عن الردع والحماية في ظرف وجودي، لا تحولًا عقائديًا أو محوًا للتاريخ العربي والسوري للدروز.
الخاتمة
ليس السؤال الأكثر أهمية اليوم: لماذا اقترب الدروز من إسرائيل؟
بل: كيف وصل مجتمع شارك أجداده في دخول دمشق، وقاد الثورة السورية الكبرى، وعاش مجاهدوه سنوات المنفى في حماية العرب، وذهب رجاله للقتال في فلسطين، إلى مرحلة يشعر فيها قسم منه أن إسرائيل أكثر قدرة على توفير الأمان من دمشق ومحيطه القريب؟
الإجابة لا توجد في العقيدة وحدها.
توجد في السياسة.
وفي تجربة الدولة.
وفي الدم.
وفي تموز.
ولهذا فإن قراءة تصريحات الشيخ حكمت الهجري ينبغي أن تجمع بين أمرين لا يتناقضان:
تصحيح التوصيف التاريخي للعلاقة، وفهم التحول السياسي الذي أنتجها.
لا يحتاج الدروز إلى اختراع ماضٍ جديد لتفسير حليف جديد. يكفي أن نقول إن خرائط الأمان قد تغيرت. أما إعادة بناء الثقة، فلا تبدأ باختبارات الولاء أو بنزع الهوية.
بل تبدأ من العدالة. ومن المحاسبة. ومن اعتراف الدولة بما حدث.
ومن استعادة معنى الجوار والوفاء في المحيط السوري والعربي.
فمن حسين مرشد رضوان ورصاصته الأولى، إلى سلطان باشا الأطرش والثورة،
إلى منفى المجاهدين في ديار المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله،
إلى أبي الخير رضوان والهوشة والكساير، إلى أجيال السويداء التي رفضت أن تكون أداة في قتل السوريين، وصولًا إلى تموز 2025؛ لم يكن الدروز خارج تاريخ سوريا والعرب.
كانوا في قلبه.
وإذا تصدعت هذه العلاقة اليوم، فإن بناءها من جديد يحتاج إلى أكثر من خطاب.
يحتاج إلى: الوفاء لمن وفى، والعدالة لمن ظُلم، والأمان لمن خاف.
مركز المشكاة للدراسات والتوثيق
السويداء – سوريا 30/8/2026
الحواشي والشروحات
[1] الثورة العربية ودخول دمشق: ترتبط مشاركة سلطان باشا الأطرش ورجال جبل العرب بالمشروع العربي الذي انتهى بدخول دمشق سنة 1918، وهي محطة مركزية في السردية الوطنية الدرزية والسورية.
[2] حسين مرشد رضوان: يورد المؤرخ سلامة عبيد حادثة إصابة جندي فرنسي بطلق من مسدس حسين مرشد رضوان خلال أحداث سبقت الثورة، وما نتج عنها من عقوبات ومطالب فرنسية. كما حفظت الذاكرة المحلية والروايات اللاحقة الواقعة تحت تعبير «الرصاصة الأولى في الثورة السورية الكبرى».
[3] رفاق المنفى: ضم محيط سلطان باشا في الثورة والمنفى عددًا كبيرًا من الشخصيات السورية واللبنانية، وتختلف القوائم بحسب المرحلة والمكان؛ ولذلك وردت الأسماء في التقرير بوصفها نماذج من رجال الثورة لا قائمةً نهائية لجميع المنفيين.
[4] المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله ووادي السرحان: تروي مذكرات سلطان باشا الأطرش انتقال المجاهدين بعد التضييق عليهم في شرق الأردن إلى وادي السرحان، وأن الملك عبدالعزيز منحهم حمايته بعد الاطمئنان إلى موقفهم من خصوم الأسرة السعودية، مع السماح لهم بالاحتفاظ بسلاحهم. استمر المنفى، بين مواقع عدة، إلى عودتهم سنة 1937.
[5] بدايات الاتصال الصهيوني–الدرزي: تعود قنوات منظمة إلى سنوات الثورة الفلسطينية الكبرى، حيث سعت شخصيات مرتبطة بالمؤسسات الصهيونية إلى توسيع الاتصال بالدروز والحد من انخراطهم في الثورة الفلسطينية.
[6] مشروع نقل الدروز: ناقشت قيادة الحركة الصهيونية منذ 1938 مشروع نقل دروز فلسطين إلى جبل الدروز. وتبين الوثائق مشاركة شخصيات مثل وايزمن وبن غوريون وآبا حوشي وإلياهو إبشتاين في بحث الخطة، التي بقيت مطروحة لسنوات.
[7] موقف سلطان باشا من المشروع: تشير دراسة في Arab Studies Quarterly إلى رفض سلطان التعاون في اللقاء الأول سنة 1938، بينما تعرض وثائق الوكالة اليهودية ادعاءات لاحقة عن مواقف أكثر انفتاحًا أو مشروطة. ولذلك اعتمد التقرير صياغة حذرة ولم ينسب إلى سلطان قبولًا أو رفضًا مطلقًا لجميع مراحل التفاوض.
[8] فوج جبل العرب: كان فوج جبل العرب جزءًا من جيش الإنقاذ العربي، ووصل منطقة شفا عمرو في أواخر مارس/آذار 1948، وتولى شكيب وهاب قيادة نشاطه هناك. وتؤكد الدراسة وجود قائمة أصلية بأفراد الفوج.
[9] أسماء السرايا: حملت وحدات الفوج أسماء «المزرعة، والمسيفرة، والكفر، والفالوج». والمقصود بـ الفالوج هنا معركة مرتبطة بمرحلة الثورة السورية الكبرى في محيط راشيا، وليس معركة الفالوجة الفلسطينية الشهيرة سنة 1948.
[10] أبو الخير رضوان: تذكر مصادر متخصصة بتاريخ المشاركة الدرزية في فلسطين سرية المزرعة بقيادة أبي الخير رضوان ضمن تشكيلات فوج جبل العرب.
[11] رفض التجنيد بعد 2011: شهدت السويداء خلال سنوات الصراع اتساعًا في ظاهرة الامتناع عن الالتحاق بالخدمة العسكرية أو تجنب إرسال الشباب إلى جبهات خارج المحافظة، مع اختلاف دوافع الأفراد والفصائل المحلية.
[12] الدور الإنساني للمضافات: وثقت تقارير محلية وصحفية دور مضافات في السويداء، بينها مضافة آل رضوان، في استقبال النازحين والفارين خلال سنوات حكم الأسد.
[13] علاج جرحى المعارضة في إسرائيل: استقبلت إسرائيل منذ 2013 جرحى سوريين من مناطق المعارضة. وفي 2015 أقر مسؤول إسرائيلي بأن عددًا محدودًا من عناصر جبهة النصرة تمكن من دخول برنامج العلاج، قبل تشديد السياسة تجاه التنظيم. لا يثبت ذلك وجود تحالف رسمي أو دعم عسكري للنصرة، ولذلك لم يستخدم التقرير مثل هذا التوصيف.
[14] التحرك نحو السويداء والاتصالات السابقة: أفاد تحقيق لرويترز بأن القيادة السورية اعتقدت أنها تمتلك ضوءًا أخضر ضمنيًا من الولايات المتحدة وإسرائيل للتحرك نحو السويداء، بناء على اتصالات ومؤشرات سياسية، قبل أن ترد إسرائيل عسكريًا بعد تقارير عن فظائع وانتهاكات.
[15] مسار التفاوض الأمني: دخلت دمشق وتل أبيب بعد سقوط الأسد في مسار تفاوض تناول خفض التصعيد والترتيبات الأمنية في الجنوب، ووصل في سبتمبر 2025 إلى مرحلة متقدمة من النقاش حول اتفاق أمني.
[16] الشيباني ورئيس الموساد: أكدت رويترز اتصال رئيس الموساد رومان غوفمان بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 14 أغسطس/آب 2026، في مستوى اتصالات مباشر ونادر بين الطرفين.
[17] محادثات الأردن 2026: عُقدت في أغسطس 2026 محادثات سورية–إسرائيلية بوساطة أميركية في الأردن، ركزت على خفض التصعيد واستئناف مسار الاتفاق الأمني.
[18] الإعدامات خارج نطاق القضاء في السويداء: وثقت منظمة العفو الدولية قتل 46 درزيًا، بينهم امرأتان، في 15 و16 يوليو/تموز 2025، وقالت إن الأدلة تشير إلى تنفيذ القوات الحكومية والقوات التابعة لها تلك الإعدامات في مواقع متعددة.
[19] البعد الطائفي والإذلال: تحققت منظمة العفو من تسجيلات وشهادات تضمنت حلق شوارب رجال دين بالقوة، وشعارات طائفية، وحادثة سؤال ضحية إن كان مسلمًا أم درزيًا قبل قتله.
[20] توصيف السلطة الجديدة: وصفت رويترز الحكومة السورية الجديدة بأنها ذات قيادة إسلامية، وأشارت إلى خلفية أحمد الشرع السابقة في الجماعات الجهادية. يستخدم التقرير هذا الوصف بوصفه توصيفًا لخلفية القيادة السياسية، لا حكمًا عامًا على الدولة السورية أو الإسلام.
المراجع المختارة
المصادر التاريخية والمذكرات
سلطان باشا الأطرش، أحداث الثورة السورية الكبرى، والمقاطع المنشورة من مذكراته المتعلقة بالمنفى ووادي السرحان.
سلامة عبيد، الثورة السورية الكبرى 1925–1927.
الدروز وفلسطين والحركة الصهيونية




























