
بقلم: حسين السلمان
أهلنا الكرام، أبناء قريتنا الغالية الغجر، أسرة الفقيد الكريمة، زملاؤه وأصدقاؤه ومحبّوه…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نقف اليوم في حضرة الغياب، نحاول أن نجمع شتات الكلمات أمام فاجعة الرحيل، ونبحث في ذاكرة العمر عن عبارات تليق برجل لم يكن مجرد زميل مهنة أو مربٍّ ومدير مدرسة، بل كان إنسانًا ترك في القلوب أثرًا لا تمحوه الأيام.
ودّعنا بالأمس زميلنا الأستاذ عدنان سلمان الخطيب، المربّي الفاضل، ومعلّم علم الأحياء، ومدير المدرسة الشاملة في قريتنا الغجر. غادرنا عدنان جسدًا، لكنه ترك وراءه سيرةً من العطاء، وذكرياتٍ من المحبة، وابتسامةً ستظل حاضرةً في وجدان كل من عرفه.
أهلنا في الغجر، إن أصعب ما في الرثاء أن تتحدث عن إنسان جمعتك به المواقف والعمل، ثم تجد نفسك مضطرًا إلى الحديث عنه بصيغة الماضي، وكأن العقل يرفض أن يصدّق أن من اعتدنا حضوره وابتسامته أصبح ذكرى نستحضرها، وصورةً نحتفظ بها، ودعاءً نرفعه إلى السماء.
لقد جمعتني بالأستاذ عدنان زمالة العمل لأكثر من عشرين عامًا، عشنا خلالها لقاءاتٍ ومواقف، وعملًا مشتركًا، وأحاديث وذكريات لا تختصرها الكلمات. وعلى الرغم من كونه أصغر سنًّا، فقد كان يكنّ لزملائه كل الاحترام والتقدير، وكانت علاقتنا قائمةً على الزمالة المهنية الراقية والاحترام المتبادل. وعلى الرغم من بعض الخلافات في وجهات النظر بيننا، وهذا أمر طبيعي، كان لنا هدف مشترك لا خلاف عليه، وهو التعاون الصادق في خدمة المدرسة والطلاب.
ولعل أكثر ما يختصر شخصية أبي ياسر في ذاكرة زملائه تلك الابتسامة التي لم تكن تفارقه؛ ابتسامةٌ كانت تعبيرًا عن روح تعرف كيف تقترب من الناس، وتجعل اللقاء أكثر دفئًا، والعمل أكثر إنسانية. وما أقسى أن نتذكرها اليوم، ثم ندرك أن صاحبها لن يعود ليمنحنا إياها!
كم من مرة التقينا في أروقة المدرسة، وكم من يوم جمعنا العمل التربوي، وكم من موقف مرّ بنا دون أن ندرك أنه سيصبح ذكرى نستعيدها بقلوب يعتصرها الحنين. رحمك الله يا أبا ياسر، يا زميل المهنة وصاحب الابتسامة التي ستظل حاضرةً في ذاكرة كل من عرفك.
ويحضرني في هذا المقام قول الإمام علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه: «خالطوا الناس مخالطةً إن متّم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنّوا إليكم». وهكذا كان أبو ياسر؛ عاش بين الناس فأحبّوه، ورحل عنهم فبكوه.
أمضى الأستاذ عدنان سنواتٍ عديدة في تدريس علم الأحياء، ينهل طلابه من علمه، ويسهم في بناء معارفهم، ويؤدي رسالته التربوية في ميدان لا تُقاس قيمته بما يُنجز في يوم أو سنة، بل بما يتركه في عقول الأجيال ووجدانها.
فعلم الأحياء يعلّم الإنسان أسرار الحياة، ويكشف له دقة الخلق وروعة الطبيعة، لكن المربّي الحقيقي لا يكتفي بنقل المعرفة، بل يساعد طلابه على أن يصبحوا أناسًا أفضل؛ أكثر فهمًا للحياة، واحترامًا للآخرين، وقدرةً على التمييز بين ما ينفع وما يضر. فالقيمة ليست في المعلومات وحدها، بل في الأثر الذي يتركه المعلم في النفوس، والقيم التي يغرسها في السلوك، وجسور الثقة والاحترام التي يبنيها مع طلابه وزملائه.
وقبل نحو عامين، تولّى المرحوم إدارة المدرسة الشاملة في قريتنا، خلفًا للأستاذ عمران الخطيب، الذي أدّى بدوره الأمانة على أكمل وجه، وبذل جهده في خدمة المدرسة وأبنائها. ونحن نرثي الأستاذ عدنان، نحيّي كل من حمل أمانة التربية والتعليم قبله من مديرين ومعلمين، ونؤكد أن المدرسة مسيرة متواصلة يتعاقب فيها المربّون، بينما تبقى الرسالة واحدة: بناء الإنسان وصون مستقبل الأجيال.
جاء أبو ياسر إلى موقع الإدارة بعد سنوات طويلة من العمل في التعليم، حاملًا معه خبرة المعلم، ومعرفة الميدان، وعلاقات الزمالة التي نسجها على امتداد السنين. لكن الأقدار شاءت أن تكون هذه المرحلة قصيرة، وأن يُطوى هذا الفصل قبل أن نتهيأ لفكرة غيابه. وكم يؤلمنا أن يبدأ الإنسان مرحلةً جديدة، ويرسم لها آمالًا وتطلعات، ثم يأتي الرحيل على غير موعد، تاركًا وراءه أحلامًا لم تكتمل، وأحاديث لم تُستأنف، ولقاءات ظننا أن أمامنا منها الكثير.
أهلنا في الغجر، لم يكن الأستاذ عدنان ابن بيت عادي في ذاكرة قريتنا، بل تربّى في بيت الشيخ أبي حسن سلمان الخطيب، الذي شغل منصب مختار القرية سنواتٍ عديدة، وتولّى رئاسة المجلس المحلي، وكان من الرجال الذين ارتبطت حياتهم بالشأن العام وخدمة أبناء بلدهم. فالإنسان لا يأتي إلى الحياة منفصلًا عن جذوره، بل يحمل معه شيئًا من تربيته وبيئته والقيم التي نشأ عليها، وتبقى سيرته جزءًا من سيرة أسرته ومجتمعه.
لقد زوّج المرحوم أبناءه قبل نحو عام، وكانت تلك مناسبةً عائلية سعيدة اجتمعت فيها مشاعر الفرح والأمل، ورأى فيها الأب ثمرةً من ثمار عمره. وكان يتمنى لو امتد به العمر ليشهد المزيد من الأفراح، ويبقى إلى جانبهم في خطواتهم المقبلة. لكنها إرادة الله التي لا نملك أمامها إلا التسليم، والإيمان بأن لكل إنسان أجله، وأن ما يبقى لنا بعد الرحيل هو الدعاء والذكر الطيب وما نتركه في قلوب من أحبونا.
أهلنا في الغجر، اسمحوا لي، وأنا أرثي اليوم زميلي في المهنة وابن بيت أصيل في القرية، أن أحمّل هذه الوقفة رسالةَ محبة إلى أهلنا جميعًا؛ رسالةً تولد من رحم الحزن، لأن رحيل من نحب لا ينبغي أن يكون مناسبةً للبكاء وحده، بل فرصةً لنسأل أنفسنا بصدق: ماذا نريد أن نترك لأبنائنا؟ وأي قلوب نريد لهم أن يحملوها حين يكبرون ويتولّون مسؤولية هذه القرية ومستقبلها؟
إن أبناءنا أمانة في أعناقنا، وليسوا مجرد امتداد لأسمائنا، بل هم مستقبلنا وذاكرة الغد. ولا يقتصر واجبنا تجاههم على توفير التعليم والعمل وسبل العيش، بل يتجاوز ذلك إلى تربيتهم على احترام الإنسان، وتقبّل الاختلاف، وحفظ كرامة الآخرين، وإعلاء المحبة على الكراهية، والحوار على الخصومة، والتسامح على الضغينة.
ولم نأتِ بهذه القيم من فراغ، ولا نطلبها لأبنائنا ترفًا في الكلام؛ فهي ميراثٌ تسلّمناه من آبائنا وأجدادنا، ومن مشايخنا الأفاضل الذين عرفتهم مجالس الغجر رجالًا للحكمة والوقار. كانوا يختلفون في الرأي، وتتباين مواقفهم وتتعدد اجتهاداتهم، لكن الخلاف لم يكن يومًا يتجاوز حدود الكلمة إلى القلوب. كان الواحد منهم يقول رأيه بصراحة، ثم يمدّ يده لمخالفه، ويجلس إلى جانبه في الفرح والترح، ويقوم له حين يدخل، ويسأل عنه حين يغيب.
نذكر منهم بكل وفاء وتقدير: الشيخ أبا حسن سلمان الخطيب، والشيخ أبا عابد حميد فتالي، والشيخ أبا حسين خضر فتالي، والشيخ أبا فهمي إسماعيل عبد الكريم، والشيخ أبا عاصم قاسم خطيب، والشيخ أبا علي أحمد سلمان، وأبا توفيق حسين خطيب، وأبا محمد أحمد مرهج، وأبا موسى أحمد موسى الخطيب، وغيرهم من رجالات هذا البلد الطيبين. من هؤلاء تعلّمنا الاحترام قبل أن نقرأ عنه في الكتب، ورأيناه في سلوكهم قبل أن نسمعه في كلامهم؛ تعلّمنا أن الكبير كبيرٌ بحلمه، وأن الرأي يُقال بأدب ويُسمع بأدب، وأن كرامة القرية من كرامة كل بيتٍ فيها.
هذا هو الإرث الذي ورثناه، وهذه هي الأمانة التي سنُسأل عنها: أن نسلّمها لأبنائنا كما تسلّمناها، بل أنقى وأبهى. فما قيمة أن نورّث أبناءنا البيوت والأراضي إن ورّثناهم معها خصوماتٍ تُثقل قلوبهم؟ وما أعظم أن نترك لهم محبةً تجمعهم، وتعاونًا يشدّ بعضهم إلى بعض، واحترامًا يحفظ بينهم الودّ مهما اختلفت بهم الطرق!
يا أهلنا في الغجر، ارفعوا أبناءكم فوق الخلافات، ولا تجعلوا الخصومات الصغيرة تكبر في نفوسهم حتى تصبح حواجز بينهم وبين أبناء قريتهم. علّموهم أن الاختلاف في الرأي لا يبرّر الإساءة، وأن الخلاف لا يلغي الاحترام، وأن الإنسان يستطيع أن يختلف مع أخيه دون أن يفقد محبته له. لا تتركوا للضغينة مكانًا في نفوسهم، ولا تجعلوا الطفل يرث خصومةً لم يصنعها، أو الشاب يحمل عداوةً لم يخترها، أو مستقبل الأجيال أسيرًا لخلافات الكبار.
فالمحبة لا تُورّث بوصيةٍ تُكتب، بل بقلبٍ يفيض، وكلمةٍ طيبة تُقال، ويدٍ تُمدّ في الشدة قبل الرخاء. وأبناؤنا لا يتعلّمون منا ما نقوله لهم بقدر ما يتعلّمون مما يروننا نفعله. فلنكن لهم كما كان مشايخنا لنا: قدوةً في الحلم، ومثالًا في الاحترام، وجسرًا يعبرون عليه إلى بعضهم، لا جدارًا يفصل بينهم.
إن الغجر التي نحبها تستحق منا أن نحفظ وحدتها، ونصون نسيجها الاجتماعي، ونترك لأبنائنا إرثًا من المحبة والتعاون، لا من الخلاف، وطريقًا مفتوحًا نحو المستقبل، لا جدرانًا من العداوة ينفقون أعمارهم في تجاوزها.
ولعل هذه الرسالة أصدق وفاء يمكن أن نقدمه اليوم لروح المربّي عدنان سلمان الخطيب: أن نتمسك بقيم التربية التي كرّس لها سنوات من عمره، وأن نؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من بناء قلبه وضميره، قبل أن يبدأ من بناء معارفه ومهاراته. فالمعلم الذي يزرع العلم في العقول يؤدي رسالة عظيمة، والمجتمع الذي يزرع المحبة في القلوب يهيّئ الأرض التي ينمو فيها ذلك العلم ويثمر.
أهلنا في الغجر، علّمتنا الحياة أن بعض الغياب لا يُعوّض، وأن بعض الوجوه تبقى محفورة في الذاكرة مهما طال الزمن، وأن أجمل ما يمكن أن نفعله لمن رحلوا هو أن نحفظ سيرتهم، ونذكرهم بالخير، ونواصل ما آمنوا به من قيم نبيلة.
لقد كنت يا أبا ياسر جزءًا من سنوات طويلة من حياتنا المهنية والإنسانية، وواحدًا من أولئك الذين يجعلون للزمالة معنى، وللعمل المشترك قيمة. وسيترك غيابك فراغًا في نفوس من عرفوك، لكن عزاءنا أنك ستبقى حاضرًا في ذاكرتنا، وفي الأثر الذي تركته في مسيرة التربية والتعليم في قريتنا. سلامٌ على روحك، وعلى أيام العمل التي جمعتنا، وعلى الاحترام المتبادل الذي ميّز زمالتنا.
وفي الختام، إلى أبنائك الأعزاء ياسر وسلمان، وإلى ابنتك الغالية وزوجتك، نقف بكثير من الحزن والتعاطف، ونشارككم ألم الفقد الذي لا تستطيع الكلمات أن تزيله. نسأل الله أن يمنحكم القوة والصبر، وأن يجعل سيرة والدكم وذكراه الطيبة مصدر اعتزاز لكم، تحملون اسمه بكل فخر ومحبة.
وإلى إخوان المرحوم: أبي هاشم حسن، وأبي سعيد حسين، وأبي ممدوح نجيب، وأخواته وأقاربه، وإلى آل الخطيب الكرام، وإلى كل من جمعته بالفقيد صلة قرابة أو صداقة أو زمالة، نتقدم بأحرّ التعازي وصادق المواساة، سائلين الله أن يربط على قلوبكم، وأن يعوّضكم عن هذا المصاب بالصبر والسكينة. فالحزن الذي نشعر به اليوم هو الوجه الآخر للمحبة التي حملناها له.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمّد فقيدنا بواسع رحمته، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيه عن رسالته التربوية خير الجزاء.
رحمك الله يا أبا ياسر، وأسكنك فسيح جناته.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
أبو سعيد حسين سلمان – الغجر – 17 أكتوبر 2026






























