الجنسية المزدوجة لجنود الاحتلال الإسرائيلي

(ما زال الكشف عن أعداد حاملي الجنسية المزدوجة “العربية – الإسرائيلية” برسم أجهزة الأمن ومراكز الأبحاث في الدول العربية)

 

بقلم نقولا ناصر*

 

إن كشف النقاب عن الجنسية المغربية التي يحملها قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال الإسرائيلي، سامي ترجمان، الذي كان، وما زال، القائد الميداني للعدوان المستمر على قطاع غزة الفلسطيني، يجب أن يدفع وزارات الخارجية والداخلية العربية، وبخاصة الفلسطينية، وكذلك المحامين العرب إلى التحرك النشط ضد حملة الجنسية المزدوجة من جنود الاحتلال والمواطنين الأجانب و”العرب” الذين تحولوا إلى جيش من جواسيس دولة الاحتلال الذين يستبيحون الحرمات الأمنية للعواصم العربية بجوازات السفر “غير الإسرائيلية” التي يحملونها.

 

إن عميل الموساد مزدوج الجنسية “الاسترالي – الإسرائيلي” بن زايغير الذي توفي في سجن الرملة بدولة الاحتلال عام 2010 في ظروف غامضة أثارت الشبهات حول تصفيته خشية أن يكشف للسلطات الاسترالية كيف زورت دولة الاحتلال جوازات السفر الاسترالية التي استخدمت في اغتيال القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في دبيّ بالإمارات العربية المتحدة أوائل ذلك العام هو مجرد مثال للوظيفة التجسسية لمزدوجي الجنسية في دولة الاحتلال.

 

لقد بادر عدد من المحامين المغاربة، الذين ترأس مملكتهم لجنة القدس في منظمة التعاون الإسلامي، إلى رفع دعوى أمام القضاء المغربي ضد سامي ترجمان لمحاكمته على “الجرائم والمجازر الجماعية التي ارتكبها” ضد أهالي غزة استنادا إلى القانون الجنائي المغربي لأن حكومتهم لا تجد حتى الآن أي سبب للاقتداء برئيسة الأرجنتين غير العربية، كريستينا كريشنير، التي أعلنت سحب الجنسية من مواطنيها الذين يقاتلون مع جيش الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني.

 

وما زال الكشف عن أعداد حاملي الجنسية المزدوجة “العربية – الإسرائيلية” برسم أجهزة الأمن ومراكز الأبحاث في الدول العربية، لكن تقارير الإعلام في دولة الاحتلال التي تتحدث عن إعادة الجنسية العراقية لليهود “الإسرائيليين” الأكراد عبر “فدرالية” اقليم كردستان العراق بعد الاحتلال الأميركي تشير إلى أن هذه الظاهرة في اتساع بدل أن تتقلص.

 

والجنسية “المغربية-الإسرائيلية” المزدوجة لترجمان تسلط الضوء على المفارقة التي تجيز للعربي، من حيث المبدأ، الحصول على جنسية أجنبية ثانية، ومنها “الإسرائيلية”، إضافة إلى جنسيته لكنها تحظر عليه الجمع بين جنسية الدولة العربية التي ينتمي إليها وبين أي جنسية عربية أخرى، أستنادا إلى قرار من جامعة الدول العربية يستند الأردن إليه، على سبيل المثال، ل”فك الارتباط” بين الجنسيتين الأردنية والفلسطينية.

 

وازدواجية جنسية سامي ترجمان ليست حالة منفردة. فإعلان وزارة الخارجية البريطانية عن التحقيق في ازدواجية الجنسية للضابط هادار غولدن، الذي ادعى جيش الاحتلال أسر المقاومة الفلسطينية له قبل أن ينفي ذلك بإعلان مقتله قد سلط الضوء على هذه الظاهرة التي لمعت بأسر المقاومة الفلسطينية لل”فرنسي” جلعاد شاليط قبل بضع سنوات عندما شاركت فرنسا في التفاوض على إطلاق سراحه بدل سحب جنسيتها منه.

 

وقد أعلن جيش الاحتلال أسماء أربعة من مزدوجي الجنسية الذين قتلوا في العدوان المستمر على غزة قبل الهدنة الأخيرة اثنان أميركيان هما ماكس شتاينبيرغ من لوس انجيليس وسيان كارميلي من تكساس وثالث فرنسي من ليون هو جوردان بنسمهون ورابع نيوزيلاندي هو غاي بويلاند. وأجرت سي إن إن في الرابع والعشرين من الشهر الماضي مقابلات مع أميركيين مشاركين في العدوان على غزة منهم دانييل فليش وذكرت أن أعداد هؤلاء “في ازدياد”. ونشرت “ديلي ميل” البريطانية صورا وتقارير عن مزدوجي جنسية شاركوا في العدوان.

 

وفي الحادي والعشرين من تموز/يوليو الماضي ذكرت الكريستيان ساينس مونيتور الأميركية أن عدد القتلى من مزدوجي الجنسية في جيش الاحتلال بلغ حتى تاريخه (25) قتيلا) ضمن (1100) مزدوج جنسية كانوا يحاربون في صفوفه أثناء العدوان.

 

وتقول التقارير الإعلامية الغربية الآن إن حوالي ألف مزدوج جنسية غربي يلتحق بالخدمة العسكرية في جيش الاحتلال سنويا، وإن عدد هؤلاء يزيد على (4000) مجند في الوقت الحاضر، كما قالت المتحدثة باسم جيش الاحتلال ليبي فايس (ذى ديلي بيست، 23/7/2014)، يمثل الأميركيون منهم حوالي (35%). وفي الثالث من الشهر الماضي ذكرت القناة الرابعة البريطانية أن حوالي مائة بريطاني يخدمون حاليا في جيش الاحتلال ضمن برنامج يديره هذا الجيش باسم “ماهال” لتجنيد اليهود “غير الإسرائيليين” فيه.

 

لقد تنبهت روسيا مؤخرا لخطورة ازدواجية الجنسية مع دولة الاحتلال وغيرها على علاقاتها الخارجية، فأصدرت قانونا دخل حيز التنفيذ يوم الاثنين الماضي يلزم مواطنيها بالابلاغ عن أي جنسيات أخرى يحصلون عليها.

 

صحيح أن القانون الذي أجازه البرلمان الإسباني في السادس من الشهر الجاري بمنح الجنسية الإسبانية لحوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون يهودي من أحفاد اليهود الذين طردوا من اسبانيا عام 1492 هو قرار سيادي للدولة الاسبانية، لكنه لم يحظ بأي متابعة لا عربية ولا فلسطينية. وكان من الممكن أن يرفد عملية السلام في فلسطين لو اقتصر على منح هؤلاء حق العودة إلى اسبانيا، لكنه قانون أجاز لهؤلاء ازدواجية الجنسية مع دولة الاحتلال، ليساهم المزيد من “الإسبان الجدد” في قتل الشعب الفلسطيني وتهجيره من وطنه وفي التجسس الإسرائيلي على الدول العربية بجوازات سفر اسبانية.

 

في مقال له نشر في السابع والعشرين من الشهر الماضي بعنوان “تجنيد من أجل القتل – إنها ليست حربا إسرائيلية فقط على غزة”، طالب مدير تحرير موقع “ميدل ايست آي” البريطاني، رمزي بارود، بإعداد قوائم بمزدوجي الجنسية الذين “يرتكبون جرائم حرب بالنيابة عن إسرائيل” ضد الشعب الفلسطيني وبملاحقتهم قضائيا في الولايات المتحدة والعواصم الغربية.

 

وقد طالبت المنظمة العربية لحقوق الإنسان بملاحقة قضائية وسياسية للمنظمات التي تجند الأجانب في جيش الاحتلال، وحثت الدول المعنية على اعادة مواطنيها المجندين في قوات الاحتلال إلى بلدانهم تحت طائلة سحب جنسياتهم في حال رفضهم.

 

وتظل هذه المطالب برسم وزارات الخارجية والداخلية ونقابات المحامين ومنظمات حقوق الإنسان العربية.

 

في الحادي والعشرين من الشهر الماضي اقتبست الواشنطن بوست من مسؤولين بوزارة الخارجية الأميركية تحذيرهم من أن “الخدمة العسكرية لمواطني الولايات المتحدة” لدى دول أجنبية منخرطة في “أعمال عدائية ضد بلدان في حالة سلام معنا … قد تتسبب في مشاكل في إدارة علاقاتنا الخارجية”.

 

لكن معظم الدول العربية، التي ذرفت دموع التماسيح على الشعب الفلسطيني خلال العدوان على غزة، تبدو غير معنية بإثارة أية “مشاكل” مع راعيها الأميركي الذي شارك مواطنوه في جرائم الحرب ضد المدنيين اللفلسطينيين خلال العدوان، “ربما” بانتظار مبادرة فلسطينية تحثها على “أضعف الايمان”.

 

وفق “هآرتس” العبرية يوم الأربعاء الماضي، رفع المحامي الأميركي من أصل فلسطيني أكرم أبو شرار دعوى في اليوم السابق لدى محكمة فدرالية ضد وزيري الخارجية جون كيري والدفاع تشك هاغل متهما الوزيرين بخرق عدد من القوانين الأميركية بدعم بلادهما لدولة الاحتلال وجيشها الذي قتل أكثر من ثلاثين من أفراد عائلته منهم والده وأخيه وبتدمير منزل العائلة في غزة خلال العدوان الأخير ليطالب بالتعويضات وبإعلان المسؤولين العسكرين في دولة الاحتلال أشخاصا غير مرغوب فيهم في الولايات المتحدة.

 

وتعد دعوى أبو شرار سابقة “عربية” وقد استندت إلى قانون المساعدات الخارجية الأميركي لسنة 1961 الذي يحظر تقديم المساعدة لبلدان تنتهك حقوق الإنسان المعترف بها دوليا. ويشير خبراء قانونيون أميركيون كذلك إلى قانون الحياد الأميركي المعدل في سنة 1976 الذي يحظر المشاركة في أي عمل أو تقديم أي دعم عسكري أم غير عسكري لأي بلد أو منطقة أو شعب في “حالة سلام” مع الولايات المتحدة، كما هو حال منظمة التحرير الفلسطينية وحكومتها، تحت طائلة الغرامة أو السجن أو كليهما.

 

إن منح دولة الاحتلال جنسيتها للجاسوس الإسرائيلي جوناثان بولارد المحكوم بالسجن المؤبد في الولايات المتحدة بعد انكشاف فضيحته لم تستخدم عربيا لتوعية الشعب الأميركي بخطورة ازداوجية الجنسية الأميركية مع جنسية دولة الاحتلال على مصالح الولايات المتحدة وسمعتها وراء البحار.

 

إن الدول العربية يمكنها في الأقل أن تدعم مقاومة الشعب الفلسطيني “سلميا” بالضغط كحد أدنى على “أصدقائها” الغربيين “سياسيا” للحد من دعمهم لربيبتهم الإسرائيلية بسحب مزدوجي الجنسية من مواطنيهم من ميادين العدوان أو في الأقل بتمويل الملاحقة القضائية الفلسطينية لهم في بلدانهم وحسب قوانينها.

 

لقد ارتبطت أسماء مزدوجي الجنسية “الإسرائيلية – الأميركية” من المستوطنين غير الشرعيين في المستعمرات اليهودية في الضفة الغربية لنهر الأردن ببعض أبشع الأعمال الإرهابية ضد الشعب الفلسطيني بعد احتلال عام 1967، فعلى سبيل المثال لا الحصر حاول جيمس ماهون اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وفتح ألان هاري غودمان النار على المصلين في المسجد الأقصى عام 1982، وارتكب باروخ غولدشتاين مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994.

 

عامر زهر مواطن أميركي لفت نظره، كما كتب مؤخرا، أن المتحدث الرسمي للإعلام الخارجي باسم قوات الاحتلال الإسرائيلي، بيتر ليرنر، مولود في لندن وهاجر إلى فلسطين المحتلة عام 1985، والمتحدث الرسمي باسم حكومة الاحتلال، مارك ريجف، هاجر إليها بعد 22 سنة من ولادته في استراليا، والمتحدث الرسمي للإعلام الخارجي باسم شرطة الاحتلال، ميكي روزنيلد، ولد وترعرع في بريطانيا، ودوري غولد مستشار رئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو ولد وأنهى دراسته الجامعية العليا في الولايات المتحدة، ومثله المستشار المقرب لنتنياهو وسفير الاحتلال الحالي في واشنطن رون ديرمر وكذلك سلفه السفير مايكل أورن، وأن جميع هؤلاء يتكلمون اللغة العبرية “كلغة ثانية”.

 

ويذكر ذلك بالجنسية المزدوجة “الإسرائيلية – الأميركية” لمبعوث السلام الأميركي ل”السلام في الشرق الأوسط” الذي استقال مؤخرا، مارتن إنديك، الاسترالي الذي “تأمرك وتأسرل” بعد ذلك، ولوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر وقائمة طويلة متسلسلة من كبار المسؤولين في الإدارات الأميركية المتعاقبة ليس آخرهم رام إيمانويل رئيس موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس الحالي باراك أوباما.

 

وهو ما يذكر أيضا بما سبق للدبلوماسي الفلسطيني المتقاعد السفير عفيف صافية أن أشار إليه في كتاب له بأن مفاوض التحرير منظمة التحرير الفلسطينية حدث أن كان يتفاوض في إحدى المراحل مع وفدين أميركي وإسرائيلي معظم أعضائهما من اليهود مزدوجي الجنسية.

 

* كاتب عربي من فلسطين

* nassernicola@ymail.com

+ -
.