صيحة العقل
(معالجات فكرية ...جزء -2-)
سيطان الولي - 27\01\2011
تتمتع كل المخلوقات , منذ أن خُلقت, بصوت خاص ,وطريقة خاصة للتواصل مع أبناء جنسها
. فالديك يصيح , والحمار ينهق, والخنزير ينخر , والعصافير تزقزق , والإنسان يتكلم .
هذه طبيعة المخلوقات جميعها . أن تصدر الأصوات التي تميزها , بعضها عن بعض , وتعتبر
وسيلة تخاطب فيما بينها في حياتها , إلى مماتها . ويمكن تمييز أنواع الأصوات
الصادرة عن الكائنات الحية غير العاقلة , بأنواع مختلفة , فمنها أصوات التنبيه
والتحذير , ومنها أصوات التعارف والإشارة إلى الوجود والمكان . ومنها أصوات الترغيب
والغزل, وأصوات الترهيب والإخافة والافتراس. ومنها الأصوات الحسنة وتلك الأصوات
القبيحة ... وغيرها الكثير من أنواع الأصوات وأغراضها . ولكن ليس ثمة صوت من تلك
الأصوات, أحدث شيئا في الحضارة وتقدمها , وبقيت الحيوانات تعيش في ظروف بيئية
طبيعية , لا تتأثر بالحضارة , إلا ما اجبرها الإنسان عليه , وفرضها على شكل حياتها,
وغرض تربيته لها.
فقط الإنسان تميز عن سائر المخلوقات , بموهبة النطق الواعي, والكلام والتعبير عن
نفسه بكل ما يختلج عقله وأحاسيسه من أفكار ومشاعر ورغبات . وفقط صيحة الإنسان ,
والتي هي ذاتها صيحة العقل , التي أحدثت , بل وخلقت, الحضارة بكل تفاصيلها
ومضامينها .
صيحة العقل إذاً هي الأرقى والأعلى وليس صيحة أي مخلوق آخر . صيحة عقل الإنسان التي
عبر عنها بالكلام والنطق واللغة , بل واللغات المتعددة , وفق تعدد الشعوب .
فالإنسان الأول رأى حجرا يتدحرج على منحدرٍ, استوحى منه صناعة الدولاب , بعد أن نظر
عقله بشكل ذاك الحجر وميزاته " الحركية " . وكلنا ندرك إلى أين قادنا هذا الاختراع
العظيم الذي اسمه – دولاب – من خلال ما نراه من استخدامات له بكافة أنواع الصناعة.
والإنسان الأول راقب بعقله كيف تصنع السنونو عشها من مزج التراب بالماء – لعابها –
وجعل كريات الوحل بعضها فوق بعض , ليستوحي من ذلك بناء بيته من اللبن . ولا تزال
الأبنية المسماة "زكورات " شاهدة على عبقرية العقل وإبداعه . من ثم رأى عقل الإنسان
أن بيته الترابي ينهار مع تساقط المطر فوقه , فجعل يخلطه بالحصى ليزيد من متانته .
ثم استخدم الحجارة الأكبر حجما , ووضعها فوق بعضها , ثم كساها بالوحل , فكان له
بيتا أكثر متانة من الأول . إلى أن توصل إلى طريقة صقل الحجارة , بتكعيبها
واستخدامها للبناء فكان ذلك له بيتا أقوى على الصمود في وجه العواصف والأمطار .
يقيه برد الشتاء , وقيظ الصيف .
وببناء البيوت , ظهرت القرى والمدن . والأسوار والقلاع . وبنيت المجتمعات والدول .
وتحركت عجلة التاريخ بوتيرة عميقة وواسعة . باكتشاف الزراعة والغرس وإنشاء البساتين
والحقول , وتدجين الحيوانات وتربيتها ورعايتها . وانتقل إلى عصر الصناعة بمختلف
مجالاتها . والعلوم الذهنية والطبيعية بمختلف تفرعاتها ... وغني عن التعريف ما آلت
إليه علوم اليوم والغد من تطورات متسارعة في مجال التكنولوجيا التي باتت بمتناول
اليد . ومن سبر أغوار الكون والمعرفة بمجاهل الكبيرات والصغيرات (النانو متر) .
ويكفي أن نضرب مثلا عن التطور الفذ في علم التكنولوجا الذي يتعلق بخزن وحفظ
المعلومات . فمن المكتبات العظيمة التي حوت مئات ألاف الرقم الفخارية التي تزن مئات
ألاف الأطنان , التي كانت تنقش عليها المعلومات بالأحرف المسمارية , إلى" التيرا
بايت " الذي لا يزن سوى بضعة غرامات , ويتسع لمجمل المعارف الكونية بالأحرف
الأبجدية أو ما يعادلها .
وكل هذا بفضل العقل وصيحة العقل . الذي تميز به الإنسان عن غيره من سائر الكائنات
الحية . فلا معنى لحياة أي كائن إذا كان يعيش خارج الحضارة . ولا معنى للإنسان ذاته
إذا عاش داخل الحضارة ولم يساهم بها . وان تؤثر الحضارة إيجابا بالإنسان , خير من
أن يبقى خارجها خوفا من تأثيرها السلبي عليه . والعقل مرتبة أولى من مراتب الفيض .
وحد أول من مراتب الحدود.وميزة أولى من ميزات الإنسان .