
عن صفحة عمر الحلبي على الفيسبوك
*ملاحظة: نصّ تأمّليّ كثيف، يُقرأ على مَهَل. لا يدّعي شيئًا ولا يدعو إلى شيء.
يستعمل سايروس شايغ، في كتابه عن تشكّل الشرق الأوسط الحديث، تعبيراً بالغ الدقّة لوصف مساحة مخصوصة من بلاد الشام: central periphery، أي “الهامش المركزي”. ويعرّفها تعريفاً جغرافياً واضحاً: الجليل الأعلى، وجبل عامل، والجولان، وشمال غرب شرق الأردن. منطقة كانت في أواخر العهد العثماني مقسّمة إدارياً بين ولايتَي بيروت وسوريا، وتقع في منتصف المسافة تماماً بين دمشق وبيروت وصيدا وعكا وحيفا ونابلس. ولأنّ ستّ مدن تتجاذبها في وقت واحد، لم تستطع واحدة منها أن تبتلعها. فصارت هامشاً بسبب موقعها المركزيّ، لا على الرغم منه.¹
أقرأ هذا التعبير من موقعي أنا، فالإنسان الذي يولد في منطقة من هذا النوع لا يرى نفسه طرفاً، بل يرى نفسه في قلب عدّة جهات في وقت واحد. والجولان يقع في هذا القلب. هو قريب من دمشق، وقريب من بيروت، ومن حيفا وعكا وصيدا ونابلس، وأورشليم القدس. ولا يستقرّ بسهولة في هوية واحدة مغلقة. القرب هنا لا يصنع تبعية كاملة. إنّه يخلق، مع الزمن، مجتمعاً يعرف أكثر من جهة، ويتأثر بأكثر من مركز، ويحتفظ مع ذلك بطباعه الخاصة. وكإنسان وُلد في الجولان، وينتمي إلى جماعة بشرية تعيش فيه منذ أكثر من قرنين، أقرأ تعبير شايغ كما لو أنّه يضع اسماً علمياً على خبرة موروثة أعرفها وأمارسها بالفطرة.
لم يتكوّن مجتمع الجولان في التاريخ المعاصر دفعة واحدة، ولا من أصل واحد، بل تدرّج في التشكّل، ووصلت إليه جماعات مختلفة واستقرّت فيه على مراحل. حين هاجر الشراكسة إليه في سبعينيّات القرن التاسع عشر، بعد أن أخرجتهم الحرب الروسيّة من القفقاس، لم يكونوا قادمين إلى فراغ، بل إلى أرضٍ سبقهم إليها فلّاحون وبدوٌ ورعاة، وتبعهم إليها آخرون. كلٌّ جاء في زمنه، ولأسبابه، ومن جهته. وبعضهم انتقل منها بإرادته، لأنّ الجغرافيا نفسها كانت تفتح أمامه طرق الحركة والعمل والتجارة والرعي. وبعضهم تمّ توطينه، وبعضهم أُجبر على الرحيل تحت رَوع الحرب، أو الخوف، أو الجوع، أو تقلّب السلطة. هكذا تشكّل المكان، لا من سكون طويل، بل من حركة لا تهدأ.
وقبل أن تستقر الحدود الحديثة، كان الجولان جزءاً من فضاء شاميّ واسع يمتدّ من حلب شمالاً إلى سيناء جنوباً، ومن البحر المتوسط إلى الفرات والبادية. الفلاح الحوراني يبيع في حيفا. التاجر الدمشقي يرسل بضاعته إلى القنيطرة. الرعاة ينتقلون بين المراعي بحسب الفصل والحاجة. كان الجولان عقدة حركة، وتشكّل دوره من هذا الموقع قبل أن يتشكّل من أيّ تعريف سياسي لاحق. والحياة في عقدة كهذه تُنشئ طبعاً خاصاً. أهلها يكتسبون حساً عملياً، ويعرفون كيف يوازنون بين الجهات، وكيف يحفظون مسافة مع السلطة، وكيف يواصلون حياتهم من دون أن يربطوا مصيرهم كلّه بمركز واحد. عادة نشأت من ضرورة جغرافيّة، ثم رسّختها قرون من التجربة.
ثم تعاقبت الدول، وتغيّرت الإدارات، ورُسمت خطوط جديدة. العثمانية، ثم الفرنسية والبريطانية اللتان قسمتا بلاد الشام بينهما بعد الحرب الكبرى، ثم الدولة السورية، ثم الإدارة الإسرائيلية بعد عام 1967. ومع كلّ إدارة ظهرت أنظمة تعريف وضبط، وصلت أحياناً إلى تفاصيل شديدة الدقّة والصغر.
في واقعة غريبة عام 1934 وُقّعت اتفاقية بين الإدارتين الفرنسية والبريطانية تقضي بأن تحمل الأبقار والأغنام أشرطة معدنية في آذانها: حرف S للحيوانات السورية واللبنانية، وحرف P لحيوانات فلسطين الانتدابية.² صورة صغيرة، لكنّها تختصر منطقاً كاملاً. فالسلطة الحديثة تميل دائماً إلى التصنيف والإحاطة والتنظيم، وتصل في طموحها إلى أذن البهيمة. والإنسان الذي يعيش في هامش مركزيّ كالجولان يتعلّم أنّ هذه الخطوط، مهما بلغت من الدقّة، لا تصل إلى ما هو أعمق من أذن الدابّة. فالقطعان التي وُسمت بحرفين مختلفين كانت، قبل الوسم وبعده، ترعى الأرض نفسها، ويقودها رعاة يعرفون الجهات قبل أن يعرفوا أعلام الدول.
وهذا ما يستوقفني في قراءة الجولان من داخل المكان لا من فوقه. فالمجتمع الذي يعيش في هامشٍ مركزيّ لا يملك ترف الارتباط بمركزٍ واحد، ولا ترف انتظار أن يُعرَّف من الخارج. عليه أن يعرف نفسه قبل أن تعرّفه الإدارات، وأن يحفظ روابطه الداخليّة بمعزل عن العَلَم الذي يرتفع فوقه. وهذه ليست فضيلةً أخلاقيّة، بل شرطٌ عمليّ تعلّمَته أماكن كهذه من تجربةٍ طويلة مع دولٍ تتبدّل أسرع ممّا تتبدّل المواسم.
الجولان اليوم يحمل هذه الطبقات كلّها. موقعه لم يتغيّر، حتى حين تغيّرت الأعلام والحدود. ما زال، إلى اليوم، في قلب المجال الشاميّ، تتقاطع عنده الجهات كما كانت تتقاطع منذ قرون. وما زال أهله يعرفون ما يعرفه أهل مثل هذه الأماكن منذ زمن بعيد: أنّ الأعلام تأتي وتذهب، وأنّ الأذن قد توسم اليوم بحرفٍ ثمّ غدًا بحرفٍ آخر.
¹ Cyrus Schayegh, The Middle East and the Making of the Modern World (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2017), 85–86.
² يستند شايغ في إيراد نصّ الاتفاقية إلى الأرشيف الفرنسي، ويصف تفاصيلها مع تعليق ساخر على بيروقراطية توسيم الحيوانات، ص ٢٦١.






























