
أهلنا الكرام،
لقد أثبتت الأيام، وبما لا يدع مجالًا للشك، صدق الحكمة القائلة إن في هذه الحياة أمورًا تتجاوز حدود توقّعاتنا وفهمنا. فما كنّا نظنّه مستحيلًا بالأمس، قد يصبح واقعًا صادمًا اليوم. من كان يتخيّل أن تتسارع الأحداث في منطقتنا بهذا الشكل، وأن نشهد تحوّلات عميقة تمسّ حياة الناس واستقرارهم؟ من كان يتوقع هذا التحول الرهيب في بلدنا سوريا وحجم المعاناة التي طالت أهلنا في صحنايا وجرمانا والسويداء، وما حملته الوقائع من قسوة وإجرام وانعدام الإنسانية؟
لقد مررنا، ولا نزال نمرّ، بظروف دقيقة مليئة بالتحديات، حيث تتقاطع الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لتشكّل واقعًا معقّدًا يفرض علينا جميعًا وقفة تأمّل صادقة. إن ما يحدث حولنا يذكّرنا بضعف الإنسان أمام تقلبات الزمن، ويؤكد في الوقت ذاته أن التمسك بالقيم الأصيلة هو صمّام الأمان الحقيقي لأي مجتمع.
إخوتي وأخواتي، لقد أنعم الله علينا بنعمة العقل، لنميّز بين الصواب والخطأ، وبين ما ينفعنا وما يضرّنا، فنحرص على الحفاظ على تماسكنا الاجتماعي وصون كرامتنا الجماعية. ومجتمعنا الكريم، بحمد الله، لا يخلو من المفكرين الأتقياء بعيدي النظر من أصحاب الخبرة، الذين يشكّلون مرجعية أخلاقية وفكرية جديرة بالإصغاء، خاصة في الأوقات التي تتكاثر فيها الشائعات وتضطرب فيها المواقف. هؤلاء يسعون إلى خير المجتمع، وحفظ ماء الوجه، وتجنّب التسرّع في اتخاذ قرارات قد تضرّ بنا على المدى القريب والبعيد. ولسنا بحاجة إلى المغامرة أو المراهنة على ما لا علم لنا بمستجداته وتأثيراته علينا، كمجتمع مسالم يدرك يقينًا أن لُحمتنا الاجتماعية واحترامنا المتبادل هو رصيدنا الحقيقي، الذي لا يجوز أن ننساه أو نتناساه على الإطلاق.
إن اللُّحمة الاجتماعية ليست شعارًا يُرفع، بل هي سلوك يومي وموقف عملي يتجلى في احترامنا لبعضنا البعض، وفي قدرتنا على احتواء الخلافات بروح المسؤولية، بعيدًا عن التسرّع والانفعال. فهي رأس مالنا الحقيقي، والركيزة التي نستند إليها في مواجهة التحديات. ومن دونها، يصبح المجتمع هشًّا، عرضة للتفكك والانقسام.
ومع اقتراب مناسبات اجتماعية عديدة، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وواقع نفسي مثقل بالهموم، تزداد الحاجة إلى التحلي بالحكمة والاعتدال. فليس من المنطق أن نحمّل أنفسنا ما لا طاقة لنا به، أو أن ننجرّ وراء مظاهر التبذير والمباهاة التي تثقل كاهل الأفراد وتعمّق الفوارق بينهم. بل إن الواجب يحتم علينا أن نراعي أحوال بعضنا البعض، وأن نُقدّم البساطة والتكافل على المظاهر الخادعة.
إن الشعور بالآخرين، ومراعاة ظروفهم، والوقوف إلى جانبهم في أوقات الضيق، هو جوهر التماسك الاجتماعي الذي نطمح إليه. فالمجتمع الذي يتشارك أفراده الأفراح والأتراح بصدق وتواضع، هو مجتمع قادر على الصمود مهما اشتدت عليه الأزمات.
واعلموا، إخوتي وأخواتي، أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من مراجعة الذات وتصحيح المسار، مصداقًا لقوله تعالى: “إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”. فلنبدأ بأنفسنا، ولنكن قدوة في الوعي والمسؤولية، ولنحافظ على ما يجمعنا من روابط إنسانية وأخلاقية.
ختامًا، نسأل الله أن يحفظ مجتمعنا، وأن يديم بيننا روح المحبة والتعاون، وأن يجنّبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
مع خالص التحية والاحترام للجميع.
فائد زهر الدين



































