
المربية منى أبو جبل
في زمنٍ تتسارع فيه تحدّيثات المنصّات التّعليميّة، وتتنافس التّطبيقات في تقديم ميزاتٍ أكثر تطوراً للتّعليم عن بُعد، يتردّد كثيراً الحديث عن آخر تحديثات الزّوم وعن أدوات التّفاعل الرّقمية التي تجعل الدّرس أكثر حيويّةً وحركة. غير أنّ سؤالاً عميقاً يبقى معلّقاً في الهواء: من يُحدِّث نفسية المعلّم؟
لقد تغيّر المشهد التّعليميّ في وقتٍ قصير. انتقلت الصّفوف من جدرانها الدّافئة إلى شاشاتٍ مسطّحة باردة. لم يعد المعلّم يرى تلك الوجوه التي كانت تبتسم، أو تلك العيون التي تلمع حين يفهم الطّالب فكرةً صعبة. اختفت ضحكات الطّلبة وهمساتهم، واختفت كذلك تلك الإشارات الصّغيرة التي كان المعلّم يقرأ منها نبض الصّف. اليوم يقف المعلّم أمام شاشةٍ صامتة، يشرح وكأنّه يتحدّث إلى فراغ. أحياناً لا يرى سوى مربّعات سوداء تحمل أسماءً صامتة. يطرح سؤالاً… فيأتيه الصّمت. ينتظر تفاعلاً… فلا يسمع سوى صدى صوته ، ومع ذلك…. يستمر.
هذه الاستمراريّة ليست مجرّد أداءٍ لوظيفة، بل هي رسالة؛ فالمعلّم لم يكن يوماً مجرد ناقلٍ للمعلومة؛ إنّه صانع الأمل في عقولٍ ما زالت تتشكّل ، وحتّى عندما تتبدّل الوسائل، تبقى الرّسالة ذاتها: أن يصل النّور إلى الطّالب، ولو عبر أسلاكٍ وشبكات. لكنّ الحقيقة التي كثيراً ما تُغفل هي أنّ المعلّم أيضاً إنسان. يحتاج إلى دعمٍ نفسي، وإلى تقديرٍ لجُهده الصّامت. يحتاج إلى أن يُقال له: نحن نرى تعبك، ونفهم صبرك، ونقدّر قدرتك على التّكيّف مع عالمٍ تعليميّ يتغيّر كلّ يوم. إنّ تقبّل المعلّم لهذا الواقع الجديد لم يكن أمراً سهلاً. لقد تعلّم مهاراتٍ تقنيّة لم يكن يتخيّل أنّه سيحتاجها يوماً، وتحمّل ضغوطاً إضافيّة، وحاول أن يخلق دفئاً إنسانيّاً في بيئةٍ رقميّة باردة. لقد صار المعلّم في الوقت نفسه معلّمًا ومصوّرًا ومخرجاً تقنيًّ اومشرفاً تربويًّا. ورغم ذلك كلّه، ما زال يقف كلّ صباح أمام شاشته، يفتح الدّرس، ويبدأ الحديث… ليس لأنّه يحب الحديث إلى شاشة، بل لأنّه يؤمن بأنّ خلف تلك الشّاشة عقولًا تنتظر من يوقظها. ربّما آن الأوان أن نسأل سؤالاً مختلفاً: ليس ما هو التّحديث الجديد في المنصّة، بل ما هو الدّعم الجديد الذي نقدّمه للمعلّم؟
المعلّم… بين رسالة التّعليم وبرودة الشّاشة ،لعلّنا اليوم بحاجة إلى أن ننظر إلى التّعليم عن بُعد من زاويةٍ أخرى؛ زاوية الإنسان الذي يقف خلف الشّاشة. فقبل أن نسأل عن سرعة الإنترنت، وجودة المنصّات، وعدد الأدوات التّفاعلية، علينا أن نسأل: كيف حال المعلّم؟
ذلك الإنسان الذي ما زال، رغم الصّمت وبرودة الشّاشات، يزرع المعرفة بصبر، ويصنع الأمل بكلمة، ويؤدّي رسالته بإيمانٍ عميق بأنّ التّعليم ليس مكانًا ولا منصّة، بل علاقة إنسانيّة تُبنى بين عقلٍ يعلّم وعقلٍ يتعلّم.
فإن كانت المنصّات تُحدَّث كلّ يوم، فإن نفسيّة المعلّم تستحق هي أيضاً تحديثًا من نوعٍ آخر؛ تحديثاً عنوانه التّقدير، والدّعم، والاعتراف بأنّ خلف كلّ شاشةٍ باردة معلّمًا يحاول أن يُبقي شعلة التّعليم دافئة.




































