
في خطوة نوعية تعد إنجازاً مهماً في القطاع الزراعي المحلي، دشن “براد الشرق” مؤخراً مشروعه الجديد لإنتاج عصير وخل التفاح الطبيعي، في إطار سعيه للاستفادة القصوى من محصول التفاح وتعزيز الجدوى الاقتصادية للمزارعين.
يوضح مدير البراد، الدكتور أسعد الصفدي، في حديث لموقع جولاني، أن فكرة المشروع ليست وليدة اللحظة، فاللجنة الإدارية للبراد تعمل على هذا المشروع منذ أكثر من عقد من الزمن، حين كان إنتاج التفاح في الجولان يبلغ ذروته، وتتراكم في البرادات كميات كبيرة من التفاح ذي جودة منخفضة نسبيًا. ويقول:
“الفكرة أن نوجه قسمًا من التفاح الذي لدينا للتصنيع… كان واضحًا أن نسبة غير قليلة من هذا التفاح جودته منخفضة، ولا توجد جدوى اقتصادية من تخزينه، لأن تكاليف التخزين والتسويق تفوق المردود المالي منه.”
ومع تطور عمليات الفرز والتخزين في البراد، بعد تحديث المعربة، تبيّن أن نحو 20% من الإنتاج يصنف ضمن هذه الفئة، ما دفع الإدارة إلى البحث عن حلول بديلة أكثر استدامة.

تحديات التسويق تدفع نحو الابتكار
على مدى سنوات، تم تسويق هذه الكميات بأسعار منخفضة في أسواق مثل غزة والضفة الغربية، إلا أن ذلك تعذر في السنوات الأخيرة فاتخذنا القرار بالاستثمار في مشروع العصير والخل.
ويضيف الدكتور أسعد:
“بدأنا بالمشروع بعد دراسة طويلة استمرت أكثر من سنتين، ووجدنا أن هناك مجالًا لإنتاج منتجات تتعلق بالتفاح، سواء العصير الطبيعي أو خل التفاح.”
استثمار محلي بمعايير صحية وأوروبية
بلغت تكلفة المشروع نحو ثلاثة ملايين شيكل، تم تمويلها بالكامل من قبل البراد، دون تحميل المزارعين أو المساهمين أي أعباء ماليةإضافية. وبواقع وجود لجنة ادارية داعمة، (السادة راتب صباغ، ايمن فخرالين، وجدي حلبي، يوسف ابراهيم وجودت الصباغ)، تؤمن وتشجع على التحديث والتقدم وايجاد حلول مستدامة، ان كان على حساب اوقاتهم الخاصة ومتابعتهم للعمل عن قرب، او وضع امكانياتهم المادية الشخصية كفالة لدعم المشروع عند الحاجة، فقد أُتخذ القرار بالبدء بالمشروع رغم التحديات الجمة التي تواجهها الزراعة في منطقتنا. وعليه تم تجهيز قسم خاص داخل احد مباني البراد وفق معايير وزارة الصحة الإسرائيلية والمواصفات الأوروبية.
ويؤكد السيد أسعد:
“الاستثمار هذا كله من البراد، وبدأنا العمل الفعلي العام الماضي، والحمد لله هناك إقبال جيد وردود فعل إيجابية جدًا على المنتجات.”
تقنيات حديثة لضمان الجودة
يعتمد المصنع على تقنية البسترة، وهي عملية تعقيم تضمن خلو العصير من البكتيريا والفطريات الضارة، مع تعبئة ساخنة تساهم في إطالة مدة صلاحية المنتج لتصل إلى ثمانية أشهر على الأقل دون الحاجة الى التبريد او التجميد.
ويشرح:
“نقوم بفحص العينات شهريًا في مختبرات رسمية، وجميع النتائج كانت إيجابية، وهذا ما ساعدنا في الحصول على التراخيص اللازمة من وزارة الصحة الإسرائيلية وكذلك من وزارة الصحة الفلسطينية.”

خل التفاح… تقنية ألمانية وجودة عالية
أما في ما يتعلق بإنتاج خل التفاح، فيشير الدكتور أسعد إلى اعتماد تقنيات حديثة مستوردة من ألمانيا، حيث تتم عملية التخمر داخل خزانات مغلقة وتحت رقابة حاسوبية دقيقة:
“عملية إنتاج الخل لدينا تتم بطريقة مميزة، باستخدام بكتيريا مفيدة تُعرف بالبروبيوتيكا، وهي التي تحول العصير إلى خل، مع الحفاظ على جودة عالية.”
ويتميز المنتج بنسبة حموضة تتراوح بين 5% و7%، وهي أعلى من المعدلات التقليدية، ما يجعله مطابقًا للمعايير الأوروبية. كما تتم تعبئته في عبوات زجاجية للحفاظ على خصائصه، دون تصفية كاملة، بهدف الإبقاء على الترسبات الطبيعية، ما يسمى الأم the mother وهي بقايا بكتيريا البروبيوتيكا، المفيدة جدا للأمعاء.
نحو استثمار كامل لمكونات التفاح
ولا يتوقف المشروع عند هذا الحد، إذ يعمل البراد على تطوير مرحلة جديدة تهدف إلى استغلال بقايا التفاح الناتجة عن عملية العصر، مثل القشور واللب، لاستخراج الألياف الغذائية واستخدامها في الصناعات الغذائية:
“نحن نعمل منذ سنوات مع كلية تل حاي على هذا المشروع، وقد توصلنا إلى نتائج مشجعة جدًا، كما حصلنا على هبة من قبل سلطة التطوير والتحديث والابداع، لدعم البحث العلمي في هذا المجال.”
رؤية مستقبلية لاقتصاد زراعي مستدام
يعكس مشروع “براد الشرق” توجهًا متقدمًا نحو الاقتصاد الدائري في الزراعة، حيث يتم استغلال كامل المنتج الزراعي وتقليل الهدر، مع خلق قيمة مضافة تعود بالنفع على المزارعين والمجتمع المحلي.
وبينما يواصل المشروع تطوير مراحله المقبلة، يبدو أن تجربة “براد الشرق” قد تشكل نموذجًا يحتذى به في تحويل التحديات الزراعية إلى فرص إنتاجية واعدة.




































