
عزت مداح
في مشهد بسيط، لكنه يحمل الكثير من المعاني، اختار الطفل زمن خاطر، البالغ من العمر أربع سنوات، أن يحوّل شاطئ بركة رام إلى مساحة أجمل وأنظف، جامعًا المخلفات التي تركها زوّار المكان، في مبادرة عفوية تعكس ما يمكن أن تصنعه التربية السليمة في نفوس الأطفال.
على الشاطئ الشرقي لبركة رام في الجولان، وبين مشاهد الطبيعة الخلابة التي تجذب الزوّار، لم يكن زمن منشغلًا باللعب كغيره من الأطفال فحسب، بل قرّر أن يفعل شيئًا مختلفًا. أفرغ ألعابه من كيسها، وحوّله إلى عربة صغيرة يجمع فيها النفايات، ثم راح يجرّها نحو حاوية القمامة لتفريغ حمولتها، قبل أن يعود ويكرّر المحاولة مرة تلو الأخرى.
لم تكن العربة مزوّدة بدواليب، ولم تكن لدى الطفل أدوات مخصّصة لتنظيف الشاطئ، لكن ذلك لم يمنعه من تنفيذ ما قرّره. بإرادة طفل في الرابعة من عمره، وبحماسة لا تحتاج إلى توجيه، بدأ يجمع ما استطاع من المخلفات، وكأنّ نظافة المكان مسؤولية شخصية تقع على عاتقه.
زمن هو ابن حمود خاطر ومارلين أبو سعده. وربما لم يدرك بعدُ حجم الرسالة التي يحملها تصرّفه العفوي، لكنه قدّم، من دون خطابات أو شعارات، درسًا بليغًا في المسؤولية والانتماء واحترام البيئة.
فهذا الشاطئ الذي يقصده الناس للاستمتاع بجمال الطبيعة وهدوئها، يستحق أن يحافظ زوّاره على نظافته، وأن يغادروه كما يحبّون أن يجدوه. وما جمعه زمن من نفايات ليس سوى جزء صغير مما قد يتركه الزوّار خلفهم، لكنه يكفي ليذكّرنا بأنّ التغيير لا يحتاج دائمًا إلى حملات كبيرة أو إمكانات خاصة؛ فقد تبدأ الحكاية بطفل، وكيس ألعاب، وقرار بسيط.
كان بإمكان زمن أن يقضي وقته في اللعب على الرمال، أو مراقبة الأسماك والبط، أو الاستمتاع بجمال المكان، كما يفعل الأطفال عادة. لكنّه اختار أن يمنح الشاطئ شيئًا من وقته وجهده، وأن يعيد إليه بعضًا من النظافة التي سلبتها منه مخلفات الآخرين.
أين تقع مناجم الذهب في الجولان؟
لعلّ الإجابة لا تحتاج إلى البحث في باطن الأرض، ولا إلى معدات التنقيب. مناجم الذهب الحقيقية تكمن في عقول أبنائنا، وفي تربيتهم وأخلاقهم، وفي القيم التي نزرعها في نفوسهم منذ الصغر.
قد نخطئ أحيانًا، وقد نغفل عن مسؤولياتنا تجاه الأماكن التي نحبّها، لكنّ أطفالنا يستطيعون أن يذكّرونا بما نسيناه، وأن يعلّمونا، بأفعالهم البسيطة، دروسًا تستحق أن نتوقف عندها طويلًا.
زمن، الطفل الذي لم يتجاوز الرابعة، لم ينظّف شاطئًا فحسب، بل ترك لنا رسالة تستحق أن تصل إلى كل زائر لبركة رام، وإلى كل من يؤمن بأنّ حماية البيئة تبدأ من سلوك الفرد، وأنّ التربية الحقيقية تظهر في الأفعال قبل الأقوال.
شكرًا يا زمن، لأنّك ذكّرتنا بأنّ الجولان ليس جمالًا نراه فحسب، بل أمانة نحملها جميعًا.
نحن وأبناؤنا كنز هذا المكان، وأطفالنا هم الأمل الذي نعوّل عليه لمستقبل أكثر وعيًا ومسؤولية. فربما نحتاج أحيانًا إلى أن نتعلّم من أطفالنا، قبل أن نطالبهم بأن يتعلّموا منّا.
عزت مداح

































