
أمُرّ أمام الشبابيك كلَّ مساء،
وحيدًا بلا أصدقاء.
تفرُّ التفاصيل من حولي،
وتبقى تعدّ مواعيدها لسواي،
تُنكر أحلامي الهادئة،
تُنكر لون العيون،
وكلُّ التجاعيد في وجهي،
لأنّي غريب.
فهل يملك الغرباء انتماءً،
وكلُّ انتماءٍ لغير الجذور سراب؟
أريد الرجوع،
أريد الرجوع لأيامي القادمة،
وما من مكان أُخبّئ فيه عيوني
لأبصر نصف الطريق،
ونصف المسافة.
قليلٌ من الحبّ حتى يظلّ الحنين هنا،
يلفّ بشاله كلّ البيوت،
يرفرف بين الوجوه
ويفتح لي شرفةً في البعيد،
لكي أنحني فوق دفء التراب،
أُقبّل رائحة الأرض والياسمين
وأبكي لأنّ المسافة
بيني وبين شبابيك بيتي طويلة.
وفي غربتي لا مكان لظلّي،
لا وقت لي كي أُطيل الغناء،
فقد خبّأ الليل صوتي،
خبّأ لي وطني موعدًا كي أعود.
لا شيء في غربتي، غير هذا الحنين
لرائحة البنّ في صوت أمّي،
كإطلالة الفجر صوتها حين يسيل
من الأفق صوب الحقول،
ويغسل كلّ الغبار الذي
غافل الليل وامتدّ حتى.
لا شيء في غربتي غير هذا الغياب،
يرتّب وقتي كما يشتهي،
ينام على جسدي
ويشرب ممّا تبقّى من الدمع بين جفوني.
يظلّ، رغم انكسار الرياح،
ورغم امتداد الجراح
على كلّ حلم،
يظلّ، رغم مواعيده المهملة.
أما آن أن ترجع اللفتات
لحضن العيون؟
أما آن أن ترجع الهمسات
لكلّ الشفاه التي تركتها؟
أما آن أن أتّبع النبض صوب الضفاف التي لمّلمته،
وأمضي بكلّ الحنين؟
إلى أين أمضي؟
فهذه الأزقّة قد أهملتها خطاي،
وكلّ الشوارع مغسولة بالغبار.
إلى أين أمضي، وكلّ الأماكن حولي
مكلّلة بالضباب؟

































