
بسيل أبو جبل
المقدمة
بما أنك بدأت القراءة، دعني أطلب منك شيئاً بسيطاً،امنحني لحظة من خيالك، وتخيل معي مشهداً. تخيل أنك تقف الان خلف ستارة مسرحية. تسمع أحاديث وهمهمة الجمهور في الخارج، وقع خطوات متفرقة وضحكة تأتي من مكان بعيد ليهدأ بعدها كل شيء تدريجياً. يقترب موعد دخولك، تتنفس بعمق وتنتظر الاشارة. تُفتح الستارة فتستقبلك الاضاءة، وتنكشف أمامك وجوه لا تعرف أصحابها. في الصفوف الاولى طفل يجلس على حافة مقعده، وعامل جاء بعد يوم طويل، وأم وأب تركا انشغالاتهما لبضع ساعات، وطبيب ومعلم ومحام، وربما شخص لا يملك من يومه سوى التعب، لكنه قرر أن يمنح نفسه هذة اللحظة. جاء كل واحد منهم من مكان مختلف، محملاً بحكاية حياته الخاصة، وجلسوا جميعاً في مكان واحد ينتظرون الحكاية نفسها.
تبدأ الكلام لتكتشف بعدها أن ثمة شيء يحدث بينك وبين تلك الوجوه، نظرة تتعلق بك، ضحكة تنطلق من أخر القاعة، صمت يخيّم على المكان حين تصل الحكاية الى لحظتها الاكثر وجعاً. للحظة تنسى أنك تقف على خشبة، وينسى الجمهور أنه يجلس في مقاعد. لا يعود أحد يفكر في مهنته، أو في حساباته، أو في الغد الذي ينتظره. هناك حكاية تُروى، وهناك أشخاص يجدون أنفسهم فيها، كلُّ بطريقته. ثم تصل الى النهاية. تقول كلمتك الاخيرة. صمت. بعدها تنفجر القاعة بالتصفيق. تنحني، ترى الوجوه أمامك، وتشعر بنشوة غريبة، عميقة، لا تشبه فرحاً أو انتصاراً عابراً، انه أحساس يُحفر في ذاكرتك العاطفية لسنوات طوال قادمة. الان، وبعد سنوات، كلما عدتُ بذاكرتي الى بداياتي على خشبة مسرح عيون مع الفنّانين المُبدعَين معتز أبو صالح وأمال قيس/ أبو صالح، حين كنت طفلاً صغيراً، لم أعد أستحضر ذلك الانتصار وحده. صرت أعود اليها محملاً بسؤال يتجاوز الخشبة والجمهور والتصفيق: اذا كان الفن قادراً على ان يجمعنا ويجعلنا نرى أنفسنا في حكايات الاخرين، فما المكان الذي نعطيه للفن في مجتمعنا في الجولان: هل نراه مساحة للتفكير والتعبير وحفظ حكاياتنا، أم نختزله فيما يسلّينا ويرضينا؟
هل اختزلنا الفن في الضحك؟
لديّ تقدير كبير للكوميديا، وأؤمن بقدرتها على ملامسة الواقع وكشف تناقضاته، بل إن الضحك قد يكون أحيانا أكثر قسوة وصدقا من البكاء. لكن ما يشغلني ليس مكانة الكوميديا في الفن، بل ما يحدث حين تصبح الضحكة المعيار الذي نقيس به قيمة العمل الفني، وحين يُحكم على العرض بأنه مملّ لمجرد أنه لا يضحكنا. من خلال تجربتي كمُشاهد، ألاحظ أن بعض الأعمال التي تدعو إلى التفكير، أو تطرح أسئلة إنسانية واجتماعية، أو تترك مساحة للصمت والتأمل، قد تواجه نفاذ الصبر أو تُختزل في وصفها بأنها أعمال مملّة. وكأننا اعتدنا أن نطلب من الفن أن يمنحنا إجابات سهلة وضحكات سريعة، بدل أن يمنحنا فرصة للتفكير فيما نعيشه ونراه حولنا.
وأستعيد هنا صورة مختلفة من طفولتي، حين كان مسرح عيون يجمع كبار السن والشباب والأطفال، ويمنحهم مساحة للقاء مع أعمال كوميدية وتراجيدية ودرامية. أتذكر كيف كان عرض نشاهده في المساء يتحول في صباح اليوم التالي إلى موضوع للنقاش في المدرسة، نتحدث عن أحداثه وشخصياته وأسئلته. لم تكن العلاقة بالعرض تنتهي بانتهاء التصفيق، بل كانت الحكاية تخرج من المسرح لتعيش بين الناس. لا أستحضر هذه الذكرى لأقول إن الماضي كان مثالياً، أو إن جمهور اليوم لا يستطيع التفكير، بل لأتساءل: ماذا تغيّر في علاقتنا بالأعمال الفنية؟ وهل ما زلنا نمنح العمل فرصة كي يصل إلينا، أم أصبحنا نقرر قيمته من اللحظات الأولى، وفقاً لمقدار ما يضحكنا؟
وفي المقابل، أرى أن هذا التوقع قد يضع الفنان نفسه أمام إغراء الاستسهال، فيبالغ في الحركة والانفعال، ويضيف النكات والمواقف الهزلية حتى عندما لا تخدم الشخصية أو الحكاية، وكأن الضحك غاية مستقلة عن العمل، لا نتيجة تنبع من داخله. وهنا أخشى أن يتحول الممثل من فنان يبني شخصية ويكشف أبعادها إلى مؤدٍّ يسعى إلى انتزاع الضحكة بأي ثمن. هذا لا يعني أن الكوميديا السطحية لا مكان لها، أو أن على كل عمل فني أن يكون ثقيلاً وفلسفياً. الفن أوسع من ذلك بكثير، والضحك نفسه قد يحمل نقداً عميقاً. لكن الفرق كبير بين كوميديا تكشف شيئاً عن الإنسان والواقع، وتهريج يُضاف إلى العمل لمجرد إرضاء الجمهور.
بصفتي فناناً، أرى أن مسؤوليتي لا تقتصر على تقديم ما يُرضي الجمهور، بل تشمل أيضاً البحث عن أشكال فنية توسّع نظرته إلى نفسه وإلى العالم. فالطبيب لا تقتصر مسؤوليته على إرضاء المريض، والمعلم لا يختزل عمله في إرضاء طلابه، بل على تعليمهم، ولكل مهنة مسؤوليتها. والفنان أيضاً مسؤول عن اختياراته، وعن الحكايات التي يقدمها، وعن المساحة التي يفتحها أمام الناس كي يروا ويسمعوا ويفكروا. بالنسبة إليّ، ليس بالضرورة أن يكون العمل الناجح هو الذي نخرج منه سعداء، أو حتى مقتنعين بكل ما رأيناه. قد يكون العمل الناجح هو الذي نخرج منه ونحن نحمل سؤالاً لم نستطع الإجابة عنه بعد، سؤالاً يرافقنا إلى البيت، ويعود إلينا في اليوم التالي، وربما يجعلنا ننظر إلى أمر اعتدنا عليه بطريقة مختلفة. فهل اختزلنا الفن في الضحك، أم أننا بدأنا ننسى أن من حق الفن أن يُضحكنا، وأن يُبكينا، وأن يزعجنا، وأن يتركنا أحياناً أمام أسئلة لا نملك إجاباتها؟
الفنان في مواجهة المجتمع
أكتب هذا الجزء من المقال انطلاقاً من تجربتي الشخصية، ومن إحساس تشكّل لديّ عبر احتكاكي بمهنتي وبالناس من حولي. لا أدّعي أن جميع أبناء بلدتي ينظرون إلى الفنان بالطريقة نفسها، فهناك من يدعم، ومن يشجّع، ومن يرى في الفن قيمة تستحق الاستثمار فيها، وهناك أيضاً من ينظر إليه بوصفه مهنة غير مضمونة، أو طريقاً لا يستحق أن يغامر الإنسان من أجله. لكنني أتساءل: لماذا يحتاج الفنان أحياناً إلى تبرير اختياره المهني، وكأنه اختار طريقاً يستوجب الاعتذار عنه؟
مرة أُخرى تخيّل معي هذا المشهد.
جالس في غرفة انتظار عيادة الطبيب، أنتظر دوري. المكان هادئ، والوقت يمر ببطء. يجلس إلى جانبي رجل لا أعرفه، فيلتفت نحوي ويبدأ حديثاً عابراً، الى أن نصل الى هذا الحوار:
الغريب: بتتعلم؟
أنا: لا، خلصت.
الغريب: شو تعلمت؟
أنا: درست تمثيل ومسرح، معي لقب أول ولقب ثاني بفنون المسرح والتمثيل.
الغريب: (يرفع حاجبيه مستغرباً) تمثيل؟ وليش؟ شو بدك بهالشغلة؟ روح اشتغل شغلة ثانية، هاي ما بتطعمي خبز!
أنا: (أبتسم، أتنفس، وأفكر في الرد) والله يا غالي باكلش خبز. بحب شغلتي والحمدالله مبسوط باللي بعمله.
الغريب: بس في اله شغل؟
أنا: الشغل بدّه سعي، مثل أي مهنة ثانية. اللي بده يشتغل، بيسعى وبدور وبخلق فرص لنفسه. أكيد الطريق مش سهل، بس صعوبته مش سبب كافي إني أتخلى عنه.
الغريب: الله يوفقك، بس أنا لو محلّك بفكر ألف مرة.
أبتسم، وينتهي الحديث تقريباً عند هذا الحد. يعود كلٌّ منا إلى هاتفه، أو إلى أفكاره، وكأن شيئاً لم يحدث. لكن يبقى في داخلي سؤال صغير: كم مرة يُطلب من الإنسان أن يدافع عن حلمه قبل أن يُمنح فرصة ليتحدث عنه؟
يأتي دوري، فأدخل إلى غرفة الطبيب. وبعد الفحص، يبدأ بيننا حديث عابر، ويسألني عمّا أعمله في حياتي.
الطبيب: شو بتشتغل؟
أنا: ممثل.
يتغيّر وجهه قليلاً، وتختفي الرسمية التي بدأت بها المقابلة.
الطبيب: عنجد؟ والله نفسي من زمان مثّل. كان حلمي أوقف على خشبة المسرح، بس الظروف أخذتني بطريق ثاني. ضلّ الحلم معي، بس ما لحقت أعمله.
أنا: بعدك بتحب تمثّل؟
الطبيب: أكيد! لو بتجيني الفرصة، والله بوقف وبمثّل.
أضحك، ويضحك معي. قبل دقائق، كنت أشرح لغريب لماذا اخترت مهنتي، والأن أقف أمام شخص لا يحتاج إلى شرح طويل كي يفهم لماذا أحبها.أخرج من العيادة وأنا أفكر في المفارقة. الرجل الأول رأى في مهنتي مخاطرة لا تستحق، أما الثاني فرأى فيها حلماً يعرفه جيداً، لأنه حمل حلماً مشابهاً يوماً ما. لا أعرف إن كان الرجل الأول قد عاش يوماً حلماً يشبه حلم الطبيب، ولا أعرف ما الذي منع الطبيب من تحقيق حلمه. لكنني أدركت أن نظرتنا إلى الفن لا تتشكل دائماً من قيمة الفن نفسه، أحياناً تتشكل من مخاوفنا، ومن تجاربنا، ومن الأحلام التي اضطررنا إلى تركها خلفنا. وحينها تذكّرت نفسي طفلاً على خشبة المسرح، وفكّرت كم أنا ممتن لأنني واصلت السير في هذا الطريق، رغم صعوباته وأسئلته. ليس لأنني أملك ضمانة للنجاح، بل لأنني لم أرد أن أستيقظ يوماً وأنا أتساءل ماذا كان سيحدث لو أنني منحت حلمي فرصة. فهل المشكلة في أن الفن لا يطعم خبزاً دائماً، أم في أننا أصبحنا نقيس قيمة الأحلام بمدى قدرتها على ضمان الخبز؟
من يروي حكاياتنا؟
هناك سؤال آخر يشغلني، وربما هو أكثر إلحاحاً: ماذا عن حكاياتنا نحن؟ من يحمل ذاكرتنا، ومن يحفظ تفاصيل حياتنا، ومن يمنح تجاربنا مكاناً في التاريخ؟
نحن، أبناء الجولان، لا نفتقر إلى الحكايات. لدينا تاريخ وذاكرة وتجارب متراكمة، وتفاصيل قد تبدو عادية لمن يعيشها كل يوم، لكنها تحمل في داخلها ما يستحق أن يُروى. في لهجتنا وتعابيرنا اليومية، وفي حكايات الجدّات، وفي علاقتنا بالأرض والقرية والغياب، وفي التحولات التي عاشتها أجيال قبلنا وما زالت تعيشها أجيالنا اليوم، توجد مادة إنسانية وثقافية غنية، لا تحتاج إلى أن نخترع لها حكايات، بل إلى أن نصغي إليها ونمنحها شكلاً فنياً. نحن نحمل هويات متداخلة، سورية وعربية ودرزية، تتقاطع فينا وتمنح تجربتنا خصوصيتها. وهذه الهويات ليست مجرد تسميات نعرّف بها أنفسنا، بل هي ذاكرة ولغة وعادات وتجارب تاريخية، وهي أيضاً الطريقة التي نفهم بها العالم ونرى أنفسنا فيه. ومع ذلك، أشعر أحياناً أن كثيراً من حكاياتنا ما زال حبيس البيوت والذاكرة الشفوية، يتناقلها الناس فيما بينهم، من دون أن يجد طريقه إلى المسرح أو السينما أو الأدب أو غيرها من أشكال التعبير الفني. من هنا، أرى أن من مسؤولية الفن ألّا يكتفي بتقديم الحكايات، بل أن يساهم في حفظها أيضاً. فالفن، في نظري، ليس مرآة للحظة التي نعيشها فحسب، بل يمكنه أن يكون أرشيفاً حياً للناس الذين عاشوا قبلنا، وللتجارب التي مررنا بها، وللأصوات التي لم تجد دائماً من يصغي إليها. وما لا نرويه اليوم قد يصعب على الأجيال القادمة استعادته غداً، خصوصاً حين تكون ذاكرتنا معتمدة على روايات شفوية قد تتغير أو تتلاشى برحيل أصحابها. ولا أقول إن الفن وحده مسؤول عن حفظ التاريخ، فهناك البحث والتوثيق والشهادات والصور والوثائق. لكن للفن قدرة مختلفة: أن يمنح التاريخ وجهاً وصوتاً وجسداً، وأن يجعلنا نرى الإنسان داخل الحدث، ونشعر بما لا تستطيع التواريخ والأرقام وحدها نقله. قد تحفظ الوثيقة واقعة، لكن العمل الفني يستطيع أن يطرح أسئلة عن أثرها في حياة الإنسان، وعن الخوف الذي عاشه، والحلم الذي تمسّك به، والأشياء التي اضطر إلى تركها خلفه. ولست أقول إن حكاياتنا لم تجد طريقها إلى الفن من قبل. فقد كانت هناك مسرحيات وتجارب فنية حاولت أن تروي شيئاً من ذاكرتنا، وأن تنقل حكايات من هذا المكان إلى خشبة المسرح أو إلى الشاشة. وهناك فنانون ومسرحيون عملوا، كلٌّ بطريقته، على إبقاء هذه الحكايات حيّة. لا تسعفني الذاكرة في استحضار جميع الأسماء والأعمال، وأعتذر مسبقاً، فعدم ذكره هنا لا يقلّل من قيمتها أو من جهود أصحابها ومُبدعيها.
لكن هذه التجارب تستحق أن نتوقف عندها، وأن نوثّقها ونتعرّف إليها أكثر. فالسؤال بالنسبة إليّ ليس ما إذا كانت لدينا حكايات تستحق أن تُروى، أو ما إذا كان هناك من بدأ روايتها بالفعل، بل كيف نحافظ على ما أُنجز، وكيف نوسّع المساحة أمام الحكايات التي لم تجد طريقها إلى الفن بعد. كيف نجعل من تجاربنا الفنية ذاكرة متراكمة، لا أعمالاً متفرقة تظهر ثم تختفي؟
لهذا، لا أعتقد أن مشكلتنا هي نقص القصص، بل ربما نقص المساحات التي تسمح لها بأن تُروى، ونقص المشاريع التي تأخذ على عاتقها جمعها وتوثيقها وتحويلها إلى أعمال فنية. أريد أن تكون حكاياتنا جزءاً من ذاكرتنا الثقافية، وأن تصل إلى الأجيال القادمة، وأن يجد الآخرون فيها أيضاً شيئاً من تجاربهم وأسئلتهم الإنسانية. وربما يبدأ كل ذلك بسؤال بسيط: إذا لم نروي نحن حكاياتنا، فمن سيرويها؟ وإذا لم نحفظ ذاكرتنا بأصواتنا ولهجتنا ونظرتنا إلى العالم، فكيف ستصل إلى الأجيال القادمة؟
مسؤولية لا تنتهي عند إسدال الستار
في النهاية، أعود إلى السؤال الذي بدأ منه كل شيء: ما الذي نريده من الفن، وما الذي نريده لأنفسنا من خلاله؟
أنا لا أرى الفن مجرد مهنة أمارسها، ولا خشبة أقف عليها ثم أغادرها عند انتهاء العرض. أراه مسؤولية أيضاً. فكما أن الطبيب مسؤول عن العلاج الذي يقدّمه، والمعلم مسؤول عن الأثر الذي يتركه في الأجيال التي يعلّمها، فإن الفنان مسؤول، بقدر ما يملك من تأثير، عن المادة التي يختار تقديمها، وعن الطريقة التي يتعامل بها مع الجمهور. وهذا لا يعني أن يكون الفن جاداً طوال الوقت، أو أن نتخلى عن الضحك والمتعة، ولا أن نعامل الجمهور وكأنه لا يعرف ما يريد. بل يعني ألا نستخف بعقله، وألا نفترض أن إضحاكه وحده يكفي. يمكن للفن أن يسلّي ويضحك، وأن يوجع ويقلق، وأن يفتح أسئلة لا نملك إجابات جاهزة عنها. ويمكنه أيضاً أن يحفظ حكاية من النسيان، وأن يمنح صوتاً لتجربة لم تجد من يصغي إليها. لا أكتب هذا من موقع من يعتقد أنه يعرف ما يحتاج إليه الجمهور أكثر من الجمهور نفسه، بل من موقع فنان يرى أن العلاقة بينهما مسؤولية مشتركة. فكما يستحق الجمهور أعمالاً تحترمه وتخاطب ذكاءه، يستحق الفنان أيضاً بيئة ترى في الفن قيمة ثقافية وإنسانية، لا مجرد وسيلة لتمضية الوقت.
وحين أفكر في الجولان، في حكاياته وذاكرته ولهجته وتجارب أهله، أشعر أن أمامنا مادة غنية تستحق أن نشتغل عليها، وأن نحفظها ونطوّرها وننقلها إلى الأجيال القادمة. لكن ذلك لن يحدث بمجرد امتلاكنا لهذه الحكايات، بل يحتاج إلى من يصغي إليها، ومن يكتبها، ومن يجسّدها، ومن يوثّقها، وإلى مجتمع يمنح هذه الجهود مساحة كي تنمو. أتذكر مقولة شائعة في الأوساط المسرحية، لا يُعرف على وجه اليقين قائلها الأصلي: “أعطني خبزاً ومسرحاً، أعطك شعباً مثقفاً”. لا أعرف إن كانت هذه الصيغة دقيقة تاريخياً، لكن ما يهمني في معناها هو أن الثقافة ليست ترفاً يأتي بعد أن ننتهي من كل شيء آخر، إنها جزء من الطريقة التي نفهم بها أنفسنا والعالم من حولنا. لا أملك وصفة جاهزة لمستقبل الفن في الجولان، ولا أكتب لأوزّع المسؤوليات على الآخرين. أنا جزء من هذا المشهد، وأعرف أن عليّ نصيبي من العمل: أن أختار ما أقدّمه، وأن أبحث عن الحكايات التي تستحق أن تُروى، وأن أحاول ألّا أكون مجرد ناقل لما يطلبه السوق أو ما يضمن الضحكة الأسرع. ربما لا نستطيع أن نغيّر نظرة المجتمع إلى الفن بمقال واحد، ولا أن نحفظ ذاكرتنا كلها بعمل واحد. لكن يمكننا أن نبدأ من السؤال، ومن الحكاية، ومن العمل التالي الذي نختار أن نقدّمه.
وفي النهاية، لا أريد أن أسأل فقط: ماذا يستطيع الفن أن يمنح مجتمعنا؟ بل أيضاً، أيّ مجتمع نريد أن نكون، وما الدور الذي نريد للفن أن يؤديه في تشكيل ذاكرتنا ومستقبلنا؟

































